السبت، 1 يناير 2011

أوجلوا وأثره في السياسة الخارجية لتركيا

الهوكة: كتاب يحكي قصة اليتيم المحنك.. أوجلوا وأثره في السياسة الخارجية لتركيا

أنقرة – يوسف الشريف
 بعد أن ساهمت الترجمة العربية لكتاب أحمد داود أوغلو «العمق الاستراتيجي» في إعطاء صورة أوضح عن أفكاره ونظرياته السياسية، يكشف كتاب «الخوجة - أثر أحمد داود أوغلو في السياسة الخارجية» للصحافي التركي الخبير في شؤون الديبلوماسية غوركان زنغين، شخصية وزير الخارجية التركي ونشأته وبمن تأثر وكيف يفكر، كما يكشف الستار عن تفاصيل مهمة في حياته وحكاية دخوله عالم السياسة وعلاقاته برجالها وكيف كان يؤثر في رسم سياسة تركيا في العديد من المواقف والأزمات منذ تعيينه مستشاراً لرئيس الوزراء عام 2002 وحتى تعيينه وزيراً، ويتابع المؤلف التحديات التي واجهتها تركيا خلال السنوات العشر الأخيرة ويكشف دور داود أوغلو في التعامل معها، بالإضافة الى طرح أهم أفكار الرجل والقواعد السياسية التي يتحرك وفقها. «الخوجة» أو الأستاذ، هو اللقب الأقرب الى قلب أوغلو، وهو عنوان الكتاب الذي يعد جولة في حياته وأفكاره وشخصيته، ويجيب على الأسئلة التي تثار حول هذا الرجل الذي غير سياسات تركيا وصورتها أمام العالم.
يبدأ الكتاب بالحديث عن حياة داود أوغلو الخاصة، نشأته وتربيته في قرية طاشكنت التركمانية في محافظة قونية وكيف أثرت فيه وفاة والدته صغيراً وحب زوجة أبيه له كأحد أبنائها ودور جدته التي كان يرى العالم من خلال حكاياتها والتي دعت له بأن يكون رجلاً ذا شأن وأن يلهمه الله القدرة على حل مشاكل الناس ومساعدتهم، وكذلك دور والده الذي ورث عنه صلابة الشخصية وحب التحدي والاستقلال عن رأي الآخرين. ويتناول الكتاب بإيجاز فترة دراسته في الجامعة الأميركية في إسطنبول بين رفاق ماركسيين، وكيف دفعه ذلك الى الاطلاع على الفلسفة الإسلامية وتعلم روح الإسلام بنفسه وبجهده الشخصي من خلال قراءة عشرات الكتب عن الإسلام، وعلى رغم نشأته المتدينة المحافظة أراد أن يكون تصوره الشخصي المستقل عن الإسلام وأن يكون مسلماً عن اقتناع لا بالوراثة والهوية والتبعية، ومن خلال اطلاعاته الشخصية تأثر بالإمام الغزالي وبابن رشد معاً بسبب طرحهما الجريء والإصلاحي، وقد أدت دراسته الموسعة للإسلام والحضارة الإسلامية الى اقتناع برفض الحكم الديني أو الثيوقراطي، إذ ينقل الكتاب عنه قوله: «إن القرآن لم يفرض شكلاً معيناً ومفصلاً لأحكام السياسة على المسلمين، القرآن يوفر لنا مبادئ سياسية أساسية يدعونا للالتزام بها وهي العدالة والحق والمساواة والحرية، لكنه لا يفرض على البشر نموذجاً سياسياً معيناً لتطبيق هذه المبادئ، لأن الأنظمة السياسية تتغير بتغير الزمان».
الكتاب يسرد بأسلوب مشوق جوانب إنسانية في حياة الرجل الذي عرفه العالم في أروقة الديبلوماسية والحكم، فنقرأ فيه كيف تلقى داود أوغلو نبأ وفاة والده من رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان عام 2004 أثناء اجتماعهما لبحث تعيين موفد خاص لتركيا في شأن العراق. وفي الكتاب صورة أوسع لداود أوغلو الفيلسوف الغارق في حب الحقبة العثمانية، والرافض نظريات صراع الحضارات، إذ يقول – قبل أن يبدأ العمل السياسي - «إن أي قوة تعمل على إقصاء المسلمين الذين يشكلون ربع سكان الأرض والصينيين الذين يشكلون الربع الآخر، فإن هذه القوة ستحبس نفسها في أوروبا وليس أبعد من ذلك، ونهاية العمل بهذه النظرية ستؤدي مستقبلاً الى إقصاء كولن باول نفسه». ويزخر الكتاب بنحو خمسمئة تصريح منقول عن أحمد داود أوغلو في مقالاته وتصريحاته وتعليقاته الرسمية وغير الرسمية، مع تعليقات المقربين منه على مواقفه، في شكل يوفر للقارئ صورة واضحة عن الدور الذي لعبه داود أوغلو في موقف ما والدافع وراء ذلك الموقف. ويكشف الكتاب أن الرئيس السابق سليمان ديميريل كان أول رجال الدولة التركية الذين استعانوا بخبرة داود أوغلو، إذ استعان به من أجل كتابة تقرير ضمن لجنة جورج ميتشل الخماسية التي وضعت تقريرها حول الاعتداء الإسرائيلي على المقاطعة مقر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في رام الله عام 2002.
ومن بين أهم ما يكشف عنه الكتاب العلاقة التي جمعت داود أوغلو بكل من عبدالله غل ورجب طيب أردوغان والتي يقول أنها لم تكن أبداً علاقة مسؤول ببيروقراطي، فداود أوغلو على رغم عمله مستشاراً للرجلين إلا أنه بقي دائماً (الخوجة أحمد) بالنسبة إليهما ولم يغب عن أي منهما أنه سعى الى طلب مشورته ووثق به ولم يسع هو الى ذلك ولم يطلب منصباً. ومن بين أشد فصول الكتاب تشويقاً ذلك الذي يكشف أسرار الحركة الديبلوماسية التركية قبيل الحرب على العراق وكيف انتهت الى رفض البرلمان التركي طلب الولايات المتحدة استخدام الأراضي التركية لدخول شمال العراق، وهي المرحلة الأصعب والأشق التي واجهها داود أوغلو في رحلته مع الديبلوماسية، ويبدو واضحاً من خلال هذا الفصل مدى طموحات الرجل الذي اعتقد حينها أن في إمكان تركيا وقف هذه الحرب حقاً، وبنى استراتيجيته على تعطيل الحرب أو تأخيرها من خلال خلق الأعذار تلو الأعذار وتجنيد دول الجوار بل الاتصال بالقيادة العراقية لطرح صيغ توافقية من أجل منع الحرب ومنع دخول عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين الى العراق، والتأكيد بعد ذلك على ضرورة أن تبقى تركيا خارج الحرب إن وقعت، وهنا نرى كيف اصطدم داود أوغلو برجب طيب أردوغان الذي كان يتزعم الحزب الحاكم حينها من دون منصب وزاري، وكان أردوغان يخشى أن تبقى تركيا خارج المعادلات السياسية بعد احتلال أميركا للعراق وإقامة دولة كردية مكافأة للأكراد ومعاقبة الأتراك على موقفهم، ليفصل بينهما البرلمان ونواب الحزب الذين صوتوا ضد الطلب الأميركي. وهنا يفصل الكتاب بعض ما واجهه داود أوغلو من ضغوط من الوسط الديبلوماسي والسياسي الذي حمله هو وحده مسؤولية هذا القرار، ويورد مقاطع من مقالات صحافية دعت داود أوغلو الى الاستقالة بعد ما أحدث – من ضرر بالغ – في المصالح التركية وكيف امتدت هذه الضغوط الى أوساط المحافظين الجدد في الولايات المتحدة التي وصفته لاحقاً بـ «بالرجل الخطير جداً» – بحسب ما جاء في برقية السفير الأميركي اريك ادلمان في أنقرة عام 2004 والتي كشفتها ويكيليكس، وكيف بدأت حملة إعلامية مستهزئة بسياسات داود أوغلو وأفكاره، وكيف استطاع الرجل أن يصمد أمام هذه الحملات من دون تراجع بفضل دعم كل من أردوغان وغل له.
وهكذا يمضي الكتاب في وصف دور داود أوغلو وسياساته فيتناولها في فصول، حيث يخصص فصلاً لكل قضية أو ملف مثل العراق قبل وبعد الحرب، والعلاقات مع الأكراد في العراق والقضية الكردية في تركيا، والملف القبرصي، العلاقات مع روسيا والبلقان، العودة من جديد الى الشرق الأوسط وضروراتها وأساليبها، العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وإصرار أوغلو على حصول تركيا على العضوية في هذا النادي الذي يرى فيه قوة خفية يعجز أصحابه الأصليون عن رؤيتها، الى العلاقات مع أميركا التي يضعها داود أوغلو في إطار استراتيجي، لكن مختلف تماماً عن الإطار الذي كان يحكمها في الحرب الباردة.
ونقتبس هنا من الكتاب قولاً لداود أوغلو توقع فيه أن يخترع جورج بوش الابن حروباً في منطقة الشرق الأوسط بعد الحادي عشر من سبتمبر من أجل زيادة نفوذ وتأثير الولايات المتحدة، ليقول حينها: «إن أميركا التي يحكمها الآن قيصر من تكساس بلاد رعاة البقر الأميركيين، تبدو بحاجة أكثر الى - أوريليوس المفكر والحكيم - من بوسطن - ليكون راعياً للعدل والإنصاف في هذا العالم». ويفرد المؤلف فصلاً خاصاً عن رؤية داود أوغلو للعلاقات مع إيران التي يراها ضرورية لكنها معقدة وشائكة.
الكتاب رحلة شيقة في عالم داود أوغلو وأفكاره ورحلته مع سياسة تركيا الخارجية، وكاتبه غوركان زنغين اجتهد في جمع كل شاردة وواردة عن الرجل وسياساته وسردها بأسلوب سهل وشيق ومرتب، لذا يبدو الكتاب في متناول الصحافي والسياسي والهاوي لعلوم السياسة، على عكس كتاب داود أوغلو «العمق الاستراتيجي» الذي يخاطب الأكاديمي ومحترف علوم السياسة بلغة أكاديمية، لكن الرابط بين الكتابين، أن كتاب داود أوغلو «العمق الاستراتيجي» كتاب نظريات، فيما كتاب «الخوجة» يروي قصة التطبيق العملي لتلك النظريات وكيف انتهى الحال والى أي نتيجة أفضت، ليكشف الغطاء تماماً عن السياسة الخارجية التركية، ماضيها ومستقبلها معاً.
الحياة

الأربعاء، 29 ديسمبر 2010

تركيا... أمة جديدة لا غنى عنها

تركيا... أمة جديدة لا غنى عنها

















رجب طيب أردوغان: لقد خلفت تركيا بصمتها باعتبارها واحدة من أكثر الدول تأثيراً، ليس فقط على أحداث عام 2010، بل على أحداث العقد الأول من الألفية الثالثة، وفي بداية العقد الجديد المقبل أيضاً تصبح تركيا بفضل موقعها الجغرافي السياسي، وإرثها التاريخي الغني، وعمقها الثقافي، وشبابها المتعلم، وديمقراطيتها المتزايدة القوة، واقتصادها المتنامي، وسياستها الخارجية البنّاءة، دولة لا غنى عنها في عالم تحول وجهه إلى الأبد بفعل العولمة السريعة. 
وإن تركيا، من خلال الاستفادة من جميع أصولها، تساهم في دعم الاستقرار الإقليمي والسلام، وتعمل من أجل إنشاء نظام عالمي قائم على العدالة والمساواة والشفافية، وباعتبارها قوة ناشئة فإنها ستستمر في تحقيق إمكاناتها بينما تساهم في جلب السلام العالمي.
كانت الظروف الفوضوية التي سادت في مرحلة ما بعد الحرب الباردة سبباً في خلق العديد من المشكلات المزمنة مثل الحروب الأهلية، والاحتلال، والتسلح النووي، والاتجار بالبشر، وفي حين تتيح العولمة فرصاً جديدة فإنها تتسبب أيضاً في خلق مشكلات عالمية جديدة وتعميق أسباب التفاوت المتأصلة في النظام العالمي. ولم يعد من الممكن أن نستمر في دعم النظام العالمي الحالي، الذي لا ينتج سوى الظلم وعدم المساواة بسبب استناده إلى فكرة منحرفة في تفسير العلاقات بين مركز العالم ومحيطه الخارجي.
 
وتسعى تركيا إلى الإسهام في تحقيق السلام الإقليمي والعالمي من خلال تسهيل الإصلاحات الديمقراطية في الداخل، وتبنّي سياسة خارجية قائمة على المبادئ، وباعتبارها عضواً في منظمة حلف شمال الأطلسي فإنها تسعى أيضاً إلى اكتساب العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي وإقامة علاقات ودية مع كل جيرانها في الجنوب والشرق، والواقع أن موقف تركيا- التي تتطلع إلى كل من الشرق والغرب- لا يتسم بالتناقض أو عدم التساوق، بل إن الأمر على العكس من ذلك، حيث يشكل الوضع الجغرافي السياسي المتعدد الأبعاد الذي تتمتع به تركيا أحد الأصول المهمة بالنسبة للمنطقة بالكامل.
وهناك عدد قليل من البلدان التي قد تتمكن من الاضطلاع بمثل هذا الدور الحاسم، ذلك أن تركيا تشكل توليفة جديدة بسبب قدرتها على الربط بين مثل هذه الصفات والخلفيات المتنوعة، وهذا يعني أن تركيا قادرة على التغلب على الانقسامات بين الشرق والغرب، وبين أوروبا والشرق الأوسط، وبين الشمال والجنوب.

والواقع أن هذه القدرة تشكل ضرورة أساسية لأننا نحتاج إلى تجاوز هذه الصراعات ومخاوف عصر الحرب الباردة، وهؤلاء الذين ينظرون إلى العالم عبر هذه العدسات العتيقة المروعة يجدون صعوبة كبيرة في فهم صعود تركيا وديناميتها النشطة، ولكن حقائق القرن الحادي والعشرين ووقائعه تلزمنا بتبني منظور سياسي شامل ومتعدد الأبعاد.

واستناداً إلى هذه المبادئ تتبنى تركيا سياسة خارجية تستبق الأحداث وتمتد من منطقة البلقان إلى الشرق الأوسط ومنطقة القوقاز، وتشكل هذه الميزة الجغرافية الخلفية التاريخية والثقافية الطبيعية لتركيا، والواقع أن الصلات الثقافية والتاريخية التي تربط تركيا بشعوب هذه المناطق عميقة ومفضية إلى السلام الإقليمي.

ولا تستطيع تركيا أن تظل غير مبالية بهذا العامل الجغرافي لأنها تقف في مركزه تماماً، ويبين لنا التاريخ بوضوح أنه من المستحيل أن نعمل على ترسيخ ودعم السلام العالمي من دون ضمان السلام والاستقرار في منطقة البلقان ومنطقة الشرق الأوسط، وتنتهج تركيا سياسة بنّاءة وشاملة في التعامل مع هاتين المنطقتين، وهي السياسة التي تتميز بنماذج رائعة من التعايش والعلوم والفنون والثقافة والحضارة.

وبفضل جهودنا الأخيرة أصبحت جراح حرب البوسنة الآن في طريقها إلى الالتئام، الأمر الذي لا بد أن يساهم في تعميق السلام والاستقرار بين شعوب منطقة البلقان، وتساعد الجهود التي تبذلها تركيا أيضاً في منع اندلاع الحروب في منطقة الشرق الأوسط، كما ساعدت جهودنا المكثفة في إبقاء المسار الدبلوماسي مفتوحاً أمام القضية النووية الإيرانية.

ونحن نساعد فضلاً عن ذلك في تيسير الاستقرار السياسي في العراق ونعين الحلف الأطلسي على أداء مهمته في أفغانستان، وإنه لأمر بالغ الأهمية أن نوضح أن تركيا تبذل جهوداً هائلة للمساعدة في إنشاء دولة فلسطينية مستقلة وقادرة على البقاء.
 
واليوم تنتهج تركيا سياسة تمثل حس العدالة في الشرق الأوسط، وتعمل من أجل إزالة الحدود المصطنعة بين شعوب المنطقة، ونرغب في الحياة في منطقة حيث تحترم كرامة كل إنسان، ولهذا السبب اعترضنا على العدوان الإسرائيلي والحصار المفروض على غزة، وسنواصل القيام بذلك.
ونحن ندرك أن تحقيق السلام العالمي أمر مستحيل ما لم نعمل على إقامة السلام الدائم في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يتطلب حل القضية الفلسطينية... لذا فنحن نحث إسرائيل والبلدان المعنية كافة على انتهاج سياسات بنّاءة وسلمية.

وبدافع من هذه المبادئ، أظهرت أنا ورئيس الوزراء الإسباني خوسيه ثاباتيرو، من خلال 'مبادرة تحالف الحضارات' في عام 2004، أن الاختلافات الثقافية والتاريخية الدينية لا تشكل سبباً للصراع، ويستند توجهنا هذا في التعامل مع الإنسانية إلى المبدأ الذي عبر عنه الشاعر التركي الشهير يونس إمري: 'نحن نحب ونحترم المخلوقات لأننا نحب ونحترم الخالق'.

ولقد أصبح الاقتصاد التركي النشط بمنزلة مصدر للاستقرار والرخاء، فحين تولى حزبي زمام السلطة في عام 2002، كان حجم الاقتصاد التركي لا يتجاوز في مجموعه 250 مليار دولار، أما اليوم فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي السنوي لتركيا 800 مليار دولار، الأمر الذي يجعل من تركيا الدولة صاحبة سادس أضخم اقتصاد في أوروبا وصاحبة المرتبة السابعة عشرة على مستوى العالم. كما كانت تركيا أيضاً واحدة من أقل بلدان العالم تأثراً بالأزمة الاقتصادية العالمية، في ظل التجارة الخارجية المتنامية، والنظام المصرفي القوي، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم التي تتسم بالتنوع وتتمتع بالازدهار. لذا فقد تمكن الاقتصاد التركي في عام 2010 من العودة إلى مستويات ما قبل الأزمة.

لقد ساعدت كل هذه السمات في تحويل تركيا إلى مكان جاذب للمشاريع التجارية والإعلامية، والفنانين، والدبلوماسيين، والطلاب، والمنظمات غير الحكومية من أنحاء العالم المختلفة. ولا شك أن القوة الناعمة المتزايدة أصبحت من أهم السمات التي تميز تركيا، والتي سنستمر في استغلالها لتعزيز السلام الإقليمي والعالمي.

لقد أدى تأثير العولمة إلى إعادة توازن القوى، ولكن يظل العالم في حاجة إلى المزيد من العدالة والشفافية والشرعية، ومن المؤكد أن المشكلات العالمية في عصرنا تتطلب التعاون، والإرادة السياسية، والتضحية، ولهذا السبب كنا حريصين على تبني سياسة تتسم باستباق الأحداث في إطار المؤسسات المتعددة الأطراف بهدف تيسير التقاسم العادل لموارد العالم الذي يؤوينا جميعا.

وستواصل تركيا العمل من أجل إقامة نظام عالمي عادل ومنصف في عام 2011 وما بعده، وإنها لمسؤولية نابعة من تاريخنا وجغرافيتنا، والقيم العالمية التي نعتنقها.

 
"الجريدة" الكويتية
العربية

الثلاثاء، 28 ديسمبر 2010

رحلة في عقل أوغلو


رحلة في عقل أوغلو
نقلاً عن شبكة أناضول يمن الاعلامية
نظمت جامعة عين شمس ندوة بعنوان "تركيا- العمق الإستراتيجي" لعرض وتحليل كتاب "العمق الاستراتيجي"، عرض فيها الدكتور طارق عبد الجليل الكتاب، مشيرا إلى البيئة السياسية والفكرية التي دفعت أوغلو للخروج بهذه الرؤية الجديدة التي بدلت مسار السياسة الخارجية التركي
واهتم المحاضر في الندوة، الدكتور طارق عبد الجليل، الأستاذ المساعد لآداب اللغة التركية بالجامعة وأحد مترجمي الكتاب إلى العربية- إلى جانب عرض وتحليل الكتاب- بالإشارة للبيئة السياسية والفكرية التي دفعت أوغلو للخروج بهذه الرؤية الجديدة التي بدلت مسار السياسة الخارجية التركي في غضون 8 سنوات، ومدى استفادة حكومة حزب العدالة والتنمية منها في ترسيخ مكانة تركيا كدولة كبرى إقليمياً ودولياً.
الجزء الأول
نذكر جميعا تصريح رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان في كلمته لتدشين قناة "تي آر تي" التركية الناطقة بالعربية العام الجاري، التي قال فيها: "إن العرب والأتراك مثل أصابع اليد الواحدة، والعلاقة بينهم علاقة الظفر باللحم.. إن تركيا لا يمكنها العيش بدون العرب.. وبدون العرب لا معنى للعالم".
والحقيقة أن هذا التصريح الرسمي يمثل ملمحا من ملامح تطور رؤية تركية تجاه سياستها الخارجية، لاسيما فيما يخص منطقتنا العربية والشرق أوسطية. هذه الرؤية الجديدة واستراتيجياتها أخذت تتبلور مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة بعد انتخابات 3 نوفمبر 2002. ولعلنا قبل هذا التاريخ لا نكاد نذكر دورا تركيا ايجابيا مبادرا تجاه قضايا الأمة العربية والإسلامية، اللهم إلا أدورا ذات محور غربي.
فقد قامت السياسة الخارجية التركية منذ تأسيس الجمهورية عام 1923، على توجه أُحادي نحو الغرب، وهو ما اتفق مع سياسة الثورة الكمالية، ومن ثم كانت القطيعة التامة، بل والعداء أيضًا مع دول الجوار العربي، والإسلامي. ثم أصبحت تركيا أثناء الحرب الباردة طرفًا في الاستقطابات الدولية، وخاصة بعد عضويتها في حلف الناتو. ودورها ضالع أيضًا في الحرب الباردة. ولم تنكسر هذه السياسة الأحادية إلا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، بانفتاحها التدريجي على العالم التركي في القوقاز وآسيا الوسطى في عهد الرئيس التركي الراحل تورجوت أوزال.
ولقد مرت السياسة الخارجية التركية بثلاث مراحل مختلفة؛ ففي فترة التحول من السلطنة العثمانية إلى الدولة التركية، اتصفت بأنها (دولة جبهة) وهي الدولة التي تخوض الحروب في أماكن عدة.
وعند رسم خريطة لشبكة العلاقات الدولية في فترة الحرب الباردة نجد أن تركيا تُقَيَّم باعتبارها دولة طرفية. أي أنها كانت تمثل بالنسبة للمعسكر الغربي دولة طرفية بمثابة نقطة تحكم له تقع عند جنوب قواته المترامية نحو الشرق، وكانت بداخله من خلال مؤسساته؛ إذ كانت الدولة الأهم في حلف الناتو ولا تزال تحافظ على وضعيتها هذه.
غير أنه بعد انتهاء الحرب الباردة في عقد التسعينيات خرج علينا مصطلح ومفهوم جديد وهو الدولة الجسر أو الدولة المعبر. وكانت قد ظهرت سلسلة من المشكلات تتعلق بتركيا تعلقا مباشرا، مثل الاحتلال العراقي للكويت، ومشكلات البلقان، وغيرها.
وعُرفت تركيا آنذاك وكأن هدفها الأساسي منحصرًا في الحفاظ على استقرارها والابتعاد قدر الإمكان عن الأزمات الموجودة في محيطها الجغرافي. وكانت تبدو ككجزيرة مستقرة ودولة جسرية.
المؤلف
وكان أحمد داوود أوغلو، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بايكنت، يتابع ويدرس ويحلل هذه التغيرات والمتغيرات الإقليمية والدولية. واستطاع أن يبلور نظرية جديدة في العلاقات الدولية تقوم على تفعيل العمق الاستراتيجي لتركيا نحو تبوأ مكانة ووضعية متميزة في الساحة الدولية. ووضع كتابه "العمق الاستراتيجي: مكانة تركيا ودورها في الساحة الدولية"، وصدرت الطبعة الأولى من الكتاب عام 2001.
وعام 2001 كما يقول الخبراء السياسيون في تركيا كان بمثابة نقطة الصفر والمستوى الأدني في تردي أحوال السياسة الداخلية والخارجية التركية؛ حيث تتطاحن أحزاب الحكومة الائتلافية بزعامة الراحل بولنت أجاويد، وتنخفض قيمة الليرة التركية، وتعم تركيا حالة من الفقر والانهيار الاقتصادي غير المسبوق، وتعلن 40 ألف شركة إفلاسها، ويشهر 15 مصرفا إفلاسه، وتطبع الدولة أوراق البنكنوت بدون غطاء... في ظل هذه الأجواء يصدر كتاب العمق الاستراتيجي، ليرسم لتركيا منهجا يجعل منها تركيا جديدة ذات مكانة في الساحة الدولية.
ويتأسس حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب أردوغان في 14 أغسطس 2001، ويفوز فوزا ساحقا في انتخابات 2002، ويشكل حكومة بمفرده، ويطلب من الدكتور داوود أوغلو أن يعرض عليه رؤيته في السياسة الخارجية التركية.
فيعرض عليه أردوغان اتخاذ نظرية العمق الاستراتيجي منهجا للسياسة الخارجية التركية، ويعهد إليه بمهمة تطبيق هذه النظرية، ويعينه في منصب كبير مستشاري رئيس الوزراء لشئون السياسة الخارجية، ويصبح بذلك داوود أوغلو أول دبلوماسي رفيع المستوى من خارج سلك الخارجية. ويمنحه أردوغان سلطات وصلاحيات واسعة لإعادة هيكلة دوائر صنع القرار في الخارجية.
وللمؤلف كتب ودراسات ومقالات وأعمال علمية عديدة ترجمت إلى لغات مختلفة في قضايا التحليلات السياسية الإقليمية، والفلسفة السياسية المقارنة، وتاريخ الحضارات المقارن، وفي مجال العلاقات الدولية بشكل خاص، ومن أهم هذه الأعمال:
• العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية
• الإدراك الذاتي لدى الحضارات
• الفلسفة السياسية
• دور المنهجية في تكوين الإدراك التاريخي، وتاريخ العالم وتاريخ الدولة العثمانية من حيث التفاعل بين الحضارات
• البلقان أو عملية التصفية التي لم تنته بعد
• القلب الجيوسياسي للقارة الأوراسية والإستراتيجية الروسية
• القضية اليهودية: تحولاتها التاريخية والإستراتيجية الجديدة لإسرائيل
• العلاقة بين الذهنية السياسية والإستراتيجية السياسية والاستمرارية التاريخية، الإستراتيجية الألمانية بعد الحرب الباردة
• مفهومان مختلفان للتعددية بين الحضارتين
الكتاب
الكتاب آخر كتب داوود أوغلو المنشورة، ولديه حسب تعبيره عدد من الكتب لم ينهها بعد، ينتظر فراغه من منصبه وزيرا للخارجية ليستكملها.
45 طبعة تركية بمعدل 15 طبعة في 15 شهرا بعد توليه الوزارة، كل شهر طبعة جديدة.. يمكن أن نجد في كل بيت به خريج جامعي نسخة من هذا الكتاب حاليا.
الكتاب لم يترجم إلى الانجليزية لصعوبة لغته وأسلوبه، محاولة تركية لتلخيصه إلى الثلث بالانجليزية. صدرت ترجمته إلى الألبانية قبل شهر من صدور طبعته العربية.
الكتاب من حيث اللغة والأسلوب يعد إضافة إلى الوعاء اللغوي التركي.. بما يضمه من مصطلحات ومفاهيم وتراكيب لغوية نحتها داوود أوغلو لتصوغ التعبير الأدق عن رؤيته ومضمون فكرته دون لبس أو غموض؛ ففرضت هذه المصطلحات والمفاهيم نفسها خلال الخمس سنوات الأخيرة على الأدبيات السياسية.. كما أن أسلوب الكتاب من الناحية اللغوية أثر على عدد ليس بالقليل من الكتاب والباحثين الذين باتوا يتخذون منه نموذجا للجملة الرصينة بالغة الدقة، محكمة البنية رغم طولها.
وقد أضاف المؤلف فصلا جديدا إلى الكتاب، لم ينشر حتى الآن في أي طبعة تركية، ونشر فقط بالعربية في نهاية الكتاب تحت عنوان "ما بعد العمق الاستراتيجي"، يتناول فيه الجانب التطبيقي لنظرية الكتاب وطروحاته بعد مرور سنوات على تفعيل بعض جوانبها، واختبارها في الساحات العملية الواقعية.
ويبلغ الكتاب نحو (660) صفحة في طبعته العربية، مقسمة إلى ثلاثة أبواب رئيسية تعرض لنظرية العمق الاستراتيجي، والتطبيقات المطروحة لها على الحالة التركية.
يحمل الباب الأول عنوان "الإطار المفاهيمي والتاريخي" ويشتمل على ثلاثة فصول يتناول الأول منها مقاييس القوة والتخطيط الإستراتيجي، وشرحا لمعادلة القوة وعناصرها الثابتة والمتغيرة، والعنصر البشري وتأثيره البالغ في صنع الإستراتيجية، ويقدم الفصل الثاني إعادة تحليل لعناصر القوة التركية، وبيانا لأوجه قصور النظرية الإستراتيجية التركية والنتائج المترتبة عليها، أما الفصل الأخير فيعرض للإرث التاريخي والبنية التحتية للثقافة السياسية التركية، وتطوراتها بعد انتهاء الحرب الباردة.
ووضع أوغلو للباب الثاني عنوان "الإطار النظري: الإستراتيجية المرحلية والسياسات المرتبطة بالمناطق الجغرافية "، وجعله في أربعة فصول لشرح نظرية العمق الاستراتيجي وعناصرها، مع التركيز على العمق الاستراتيجي التركي في المناطق ذات الارتباطات الجغرافية معها.
وتناول بالدراسة في الفصل الأول النظريات الجيوسياسية والإستراتيجيات العالمية في فترة ما بعد الحرب الباردة، وأهمية استيعاب العامل المكاني، والمحددات الجغرافية في ملأ ساحات الفراغ الجيوسياسي. وفي الفصول الثلاثة الأخرى حلل الضرورات التاريخية وعناصر الاستراتيجيات البرية والبحرية بالنسبة لتركيا فيما يتعلق بالمناطق البرية القريبة: البلقان و الشرق الأوسط والقوقاز، والأحواض البحرية القريبة: البحر الأسود، وشرق المتوسط، والخليج، وبحر قزوين، والمناطق القارّية القريبة: أوروبا، وشمال أفريقيا، وجنوب آسيا، ووسط و شرق آسيا. كما تناول أيضا الفصل الأخير من هذا الباب العناصر التركية الأساسية المحددة لعمق تركيا الأسيوي، والأفريقي.
وأما الباب الأخير فيمثل القسم الأكبر من الكتاب، ويشتمل على الوسائل الاستراتيجية والسياسات الإقليمية التي رأى أوغلو أنها ستحقق لتركيا مكانتها المرموقة في الساحة الدولية. ويضم هذا الباب خمسة فصول على النحو التالي:
الفصل الأول: الارتباطات الإستراتيجية لتركيا وأدوات سياستها الخارجية
أولاً: تركيا والمحور الأطلسي في إطار المهمة الجديدة لحلف شمال الأطلسي
ثانياً: منظمة الأمن والتعاون الأوروبي
ثالثاً: منظمة المؤتمر الإسلامي: خط التأثير الجيوسياسي والجيوثقافي بين إفريقيا وآسيا
رابعاً: منظمة التعاون الاقتصادي: العمق الآسيوي
خامساً: منظمة التعاون الاقتصادي لحوض البحر الأسود: مناطق الإستب والبحر الأسود
سادساً: مجموعة الدول النامية الثمانية والعلاقات الآسيوية الأفريقية
سابعاً: الاقتصاد السياسي الدولي ومجموعة الدول العشرين (G-20)
الفصل الثاني: التحول الاستراتيجي والبلقان
أولاً: البلقان و التناقضات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة
ثانياً: التوازنات الداخلية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة
ثالثاً: أزمة البوسنة واتفاقية "دايتون"
رابعاً: تدخل حلف شمال الأطلسي ومستقبل كوسوفو
خامساً: أسس السياسة التركية تجاه البلقان
الفصل الثالث: الشرق الأوسط: مفتاح التوازنات الاقتصادية السياسية والإستراتيجية
أولاً: العوامل المؤثرة على الوضع الدولي للشرق الأوسط
ثانياً: الشرق الأوسط و القوى العالمية
ثالثاً: الشرق الأوسط و قضية التوازنات الداخلية
رابعاً: تركيا و الديناميات الأساسية في سياسة الشرق الأوسط
الفصل الرابع: سياسة آسيا الوسطى في ظل توازن القوى الأور- آسيوية
أولاً: العوامل المؤثرة على الوضع الدولي لآسيا الوسطى
ثانياً: مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي والتحول في آسيا الوسطى
ثالثاً: آسيا الوسطى و توازن القوى الدولية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة
رابعاً: السياسة الخارجية التركية واستراتيجية آسيا الوسطى
الفصل الخامس: الاتحاد الأوروبي : تحليل لعلاقة متعددة الأبعاد والمستويات
أولاً: مستوى العلاقات الدبلوماسية السياسية
ثانياً: مستوى التحليل الاقتصادي الاجتماعي
ثالثاً: مستوى التحليل القانوني
رايعاً: مستوى التحليل الاستراتيجي
خامساً: مستوى التحول الحضاري و الثقافي
سادساً: علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي بين شقي رحى الانعكاسات التاريخية
نظرية العمق: الإدراك التاريخي والجغرافي
إن أهم عنصر يضفي على النظريات الإستراتيجية صفة البقاء والديمومة هو الإدراك التاريخي والجغرافيوهما معطيان ثابتان لدى الدولة والمجتمع ويمثلان مركزا لكل مقاربة إستراتيجية.
وبمعنى أكثر تفصيلا فهو دراسة تاريخ وجغرافية الدولة أو المجتمع بعمق مزدوج يشتمل على بُعدي الزمان والمكان. فبينما يحقق العمق التاريخي الذي سيقيم التواصل بين الماضي - الحاضر - المستقبل القدرة على إدراك الواقع المعيش داخل البُعد الزماني، فإنه يوضح من ناحية أخرى تأثير الإدراكات والأنماط السلوكية والذهنيات الإستراتيجية لدى اللاعبين في كل مجالٍ تطبيقي داخل هذا البعد. فالسعي إلى وصف حالة من حالات العلاقات الدولية الراهنة دون النفوذ إلى عمقها التاريخي، يُشبه إجراء تحليل سيكولوجي لشخص ما مع تجاهل مشتملات ذاكرته، وعلى هذا النحو فمن غير الممكن توفر القدرة على فهم تحليل للأزمات الراهنة ورسم منظور مستقبلي ضمن إستراتيجية مستمرة.
أما العمق الجغرافي فيكشف عن الاستمرارية المكانية للدولة أو المجتمع محل الدراسة، ويقدم توصيفًا للساحة الإستراتيجية التي يجري فوقها التأثير المتبادل.
والرؤية الإستراتيجية الشاملة تقوم على الجمع بين تحليل كل من العمق التاريخي القادر على إقامة الارتباط بين الماضي - الحاضر - المستقبل، وبين تحليل العمق الجغرافي القادرٌ على إقامة تواصلية سليمة بين المقاييس الداخلية - والإقليمية - والدولية. وفي هذا فإن العناصر الجيوثقافية والجيوسياسية والجيواقتصادية التي تُشكل أرضية العمق الاستراتيجي لدولة ما تكتسب أهميتها في تشكيل هذه الرؤية.
وعند تحليله الأرضية التي ترتكز عليها تركيا حسب مفهوم العمق الجغرافي، قام بتطوير تعريفات الأقاليم البرية القريبة، والبحرية القريبة، والقارية القريبة بالنسبة لتركيا، وتناول البنى الداخلية لهذه الأقاليم ووضعياتها داخل النظام الدولي، كل منها في فصل على حدى، فتناول في فصل خاص الإقليم البري القريب الذي يُشكلحزام البلقان - القوقاز - الشرق الأوسط الذي يحيط بتركيا، والإقليم البحري القريب الذي يتشكل من البحار الداخلية البحر الأسود - المضيقين - مرمرة - إيجه - شرق البحر المتوسط - البحر الأحمر - الخليج - قزوين، وطرق الملاحة البحرية، والإقليم القاري القريب الذي يتشكل من أوروبا - شمال أفريقيا - وسط وغرب آسيا. وهي الأقاليم التي تشكل مركز القارة الرئيسية أفروأوراسيا جغرافيًّا، وتشتمل علىالساحات الأساسية لتاريخ البشرية من الناحية التاريخية.
ولهذا فإن أي ظاهرة في العلاقات الدولية يمكن لتركيا أن تواجهها داخل هذه الساحات أو أن تتدخل فيها بشكل من الأشكال، ظاهرة لا يمكن فهمها من خلال وصف أحادي البُعد.
وكنتيجة طبيعية أيضًا فإن بناء تركيا لسياسة خارجية نحو ظواهر وأُطر العلاقات الدولية، لا يمكنه أن يحمل طبيعة أحادية الجانب وأحادية المحور، بل على النقيض من ذلك، يستوجب تحليلاً متعدد الأبعاد لظواهر العلاقات الدولية المعنية بكل إقليم، وكذلك القدرة على فهم التأثير المتبادل بين هذه الأقاليم.
فالمتابعة المستمرة لإيقاع السياسة الخارجية داخل ساحات التأثير المتبادل، وكذلك القدرة على توجيهه من زاوية الخيارات الإستراتيجية التركية، يُعدان من الضروريات الحتمية لإجراء تحليل استراتيجي ولبناء سياسة خارجية.
المجتمعات من الضعف قوة
يرى أوغلو أن وصف الدولة العثمانية بأنها رجل أوروبا المريض، وانهيار الدولة العثمانية، وتشكل تركيا على أشلائها التي تعبر عن أجناس وأعراق مختلفة، ليست أبدا عوامل ضعف ، بل هي عامل قوة.
ويقول داوود أوغلو إن هناك مجتمعات عالجت أزماتها من خلال الانكفاء على ذاتها، ومن الأمثلة على ذلك سياسة الصهر التي عاشتها الولايات المتحدة، -وهي دولة قارة-، بعد الحرب الداخلية، وجهود اليابان، وهي دولة جزيرة، لتشكيل ساحة تمركز داخلية من خلال غلق أبوابها أمام العالم الخارجي بعد مواجهتها مع الاستعمار.
أما المجتمعات الموجودة في مركز القارة الرئيسية، أو في مناطق التقاء الأقاليم الجيوإستراتيجية، أو التي تحافظ على بنية متعددة الثقافات داخل تركيبتها الخاصة، ليس من الممكن لها أن تنكفئ على ذاتها كرد فعل على العوامل الخارجية، فالمجتمعات التي تنكفئ على ذاتها في ظل هذه الأوضاع تتجه للتحلل داخليًّا إما بالعوامل الخارجية، وإما بتناقضات الأزمات التي تؤدي إلى التمزق الداخلي.
و يرى أن تركيا ليست دولة منكفأة على ذاتها، بل هي قادرة على أن تحول عناصر أزمتها إلى عناصر قوة من خلال الانفتاح على الخارج بثقة جديدة في ذاتها. فلا يمكن لتركيا أن تنكفئ على ذاتها جغرافيًّا؛ حيث أنها تقع على الخط المركزي لأهم حزام استراتيجي في العالم في اتجاه الشمال - الجنوب والغرب - الشرق.
ويرى أن تركيا التي تقف الآن في صفوف الدول المنتصرة في الحرب الباردة قد دفعت في مقابل ذلك الكثير خلال الحرب الباردة. وإنه لمن الصعوبة بمكان القول بأن تركيا قد حصلت خلال فترة ما بعد الحرب الباردة على مقابل ما قدمته.
فنجد الدول التي خرجت منهزمة من الحرب الباردة وظلت خلال العشر سنوات التي أعقبت الحرب الباردة تُواجه مخاطر إستراتيجية باستمرار على امتداد حدودها وخلفها، فضلاً عن خطاب السياسة الخارجية العاطفي قد حصلت على وضعية الترشح للاتحاد الأوربي، فإننا نجد في المقابل تركيا تعيش توترات في علاقاتها بالاتحاد الأوروبي، وتواجه خطر الإبعاد عن عضوية الناتو أمام خطر الإقصاء خلال عملية تأسيس الجيش الأوروبي، وتشعر أيضًا بمحاولات إقصاء سيكولوجي - دبلوماسي من خلال تقديمها باعتبارها المتسبب في عملية إبادة عرقية، ومن ثم فإن تركيا بحاجة إلى تجديد استراتيجي متعدد الجوانب.
الجزء الثاني
هذا هو الجزء الثاني، ويركز فيه الدكتور طارق عبد الجليل على الأعمدة التي بنى عليها أوغلو ثقة بلاده بذاتها تكتسب بها وضعاً دولياً قوياً في عالم مضطرب، يخلو من نظام عالمي جديد، يحدد الأدوار ويحل المشكلات.
07.12.2010 09:04
إفتكار البنداري
وسبق أن عرضنا الجزء الأول من المحاضرة التي أعدها الدكتور طارق عبد الجليل، الأستاذ المساعد لآداب اللغة التركية بالجامعة وأحد مترجمي الكتاب إلى العربية- للندوة، وهذا هو الجزء الثاني منها، ويركز فيه على الأعمدة التي بنى عليها أوغلو ثقة بلاده بذاتها تكتسب بها وضعاً دولياً قوياً في عالم مضطرب، يخلو من نظام عالمي جديد، يحدد الأدوار ويحل المشكلات.
كما يعرض فيه للأسس الستة التي صاغها أوغلو للسياسة الخارجية الجديدة لبلاده، وتطبيقاتها على أرض الواقع، وكيف استفاد من رؤية الفاتح المسلم طارق بن زياد للأندلس في صياغة هذه الأسس التي يسعى بها إلى إعادة تركيا مركزاً للتأثير في شرق العالم وغربه، ومصدر إشعاع حضاري يرى فيه كل من الشرقي والغربي ذاته بلا تعارض ولا خلاف.
وهذا هو الجزء الثاني من الإبحار في عقل أوغلو عبر عرض رؤيته لهوية ومستقبل بلاده نصاً كما أرسله الكاتب إلى "أون إسلام":
لم يتشكل نظام عالمي جديد حتى الآن
وينبغي علينا ألا ننسى أنه رغم انتهاء الحرب الباردة فعليًّا إلا أن التنظيمات والاتفاقات النهائية التي ستحدد التوازنات والقوانين الدولية لفترة ما بعد الحرب الباردة لم تُنجز حتى الآن. وعند تناول الحرب الباردة من هذه الزاوية نجد أنه قد حدث وقف لإطلاق النيران، بيد أنه لم يتم التمكن حتى الآن من صياغة نظام عالمي جديد ذي نطاق واسع، يشتمل على التنظيمات النهائية التي تنعكس فيها توازنات القوة الجديدة.
فاختيار النظام الجديد لتجميد الأزمة أكثر من حلها حلاً نهائيًّا كما في عديد من مناطق الأزمات مثل البوسنة وكراباخ وفلسطين وكوسوفو وشمال العراق، إنما ينبع من عدم تبلور واتضاح المقاييس الأساسية للنظام الجديد.
إن الشرط الحتمي لتجديد الثقة بالذات سيكولوجيًّا يتمثل في إعادة تشكيل الذهنية الإستراتيجية على نحو يتوافق مع الظروف الجديدة. وإن مكانة المجتمعات في العلاقات الدولية ترتفع على عمودي التاريخ والجغرافيا وهما عنصرا الزمان والمكان.
إن المجتمعات التي لا يمكنها أن تُظهر قوة في إعادة فهم تاريخها وجغرافيتها هي مجتمعات ليس لديها أيضًا القدرة على التوافق مع الظروف الجديدة، كما أنها لا تمتلك القوة على إحداث قفزات أو طفرات. وليس لأي أيديولوجية رسمية أو غير رسمية أو خطاب في السياسة الخارجية أن يحقق لهذه المجتمعات هذه القفزة دون الارتكاز على عمودي التاريخ والجغرافيا.
وإن أردنا أن نوضح بمثال رمزي من أمثلة التاريخ الحضاري فإن قيام طارق بن زياد بحرق السفن لم يكن تكتيكًا عسكريًّا ناجحًا فحسب؛ بل كان انعكاسًا لرؤية احتوائية في ظل الفهم المكاني للعالم في الوقت ذاته.
إن رؤية العالم لدى طارق بن زياد لا تقوم على جغرافية مركزية بل تقوم على جغرافية مطلقة يمكن التعايش فوقها مع مختلف الأقوام. ولذا فقد أصبحت الأندلس نطاقًا جغرافيًّا جسريًّا احتوائيًّا امتزجت في بوتقته على مر العصور العديد من الأقوام والثقافات المختلفة، إلى أن جاء الأسبان الكاثوليك الذين حطموا تلك البنية ذات التعددية الثقافية عن آخرها. وعلى الشاكلة ذاتها فإن المجتمعات التركية المسلمة التي تدفقت من وسط وغرب آسيا صوب الهند شكلت سلطة سياسية تقوم على الاستيطان في تلك المناطق وتقاسم الجغرافيا ذاتها مع المجتمعات المستقرة هناك.
ولذا أصبحت الهند تحت حكم بابور مسرحًا للتأثير الحضاري المتبادل متعدد الجوانب والثقافات. ولم يكن توجه العثمانيين نحو البلقان مختلفًا عن ذلك؛ فقد حافظ العثمانيون على تنوعية ثقافية مشابهة هناك لمدة تقترب من خمسة قرون في ظل الأمن والاستقرار.
ولهذا فإن التوجه الاستراتيجي الأساسي الذي سيدعم تجديد هذه الذهنية الإستراتيجية هو أن يحُل التكامل ذو الطبيعة الجيوثقافية والجيوإستراتيجية محل التمييزات التصنيفية. ويمكننا أن نطرح نموذجًا لضرورة التكامل في إطار جدلية الانتماء الآسيوي - الانتماء الأوروبي أو جدلية الشرق- الغرب، وهي جدليات محل النقاش الدائم في تاريخنا القريب.
وإن تركيا وهي إحدى الدول الجسرية التي تقع في مناطق التقاء الخطوط الشرقية- الغربية والشمالية- الجنوبية في قلب القارة الأم أوراسيا، مضطرة للدخول في عملية تجديد شاملة في مسألة الهوية التي تمثل عنصرًا أساسيًّا في بناء الإستراتيجية طويلة المدى وما تطلبه هذه الإستراتيجية من بنية جيوثقافية، من خلال التخلص من تأثير عمليات التصنيف غير المجدية التي تصنف تركيا بين الانتماء الثانوي إلى أوروبا أو آسيا.
وإذا أردنا أن نوضح مرة أخرى بمثال وتجربة تاريخية، فإن العلاقة بين آسيا- أوروبا من حيث التراكم التاريخي السلجوقي- العثماني المتقدم على المحور الشرقي- الغربي إنما هي مثل علاقة القوس بالسهم. فكلما تراجع طرفا القوس إلى الخلف كلما ازدادت سرعة السهم إلى الأمام. 
ولهذا فإن الدولة السلجوقية التي بسطت وعززت من هيمنتها في إيران تقدمت في الأناضول بسرعة السهم، وكذلك فإن تقدم العثمانيين صوب أوروبا بعد أن شدوا القوس الآسيوي بتأسيس وحدة الأناضول اكتسب سرعة لم يكن من الممكن عرقلتها. فالمسألة تتمثل في تشكيل إرادة لصياغة إستراتيجية تستخدم القوس والسهم بشكل منتظم وعلى نحو يدعم فيه كل منهما الآخر.
في فترة تشهد أزمات حضارية مكثفة وتنشغل فيها البشرية بإعادة تأسيس قيمها، وتسعى لإعادة اكتشاف كل موروثاتها الثقافية التاريخية، يشكل احتواء الدول الجسرية مثل تركيا على موروثات حضارية مختلفة مصدرًا مهمًّا من أجل انفتاح حضاري جديد. إن ما سيجعل تركية في وضعية خاصة على مسرح التاريخ ويميزها عن المجتمعات الأخرى هو ما تمتلكه من عناصر عمقها التاريخي الحضاري والجغرافي والثقافي.
ويستشرف المستقبل برؤيته أن العولمة تمثل ساحة جديدة تسمح للموروثات الحضارية بالنفاذ إلى صفحات تاريخ المستقبل مرة أخرى، فيقول:
إن الحداثة كانت نتاج عملية تاريخية ذات مركز أوروبي؛ أما العولمة فتحمل العناصر التي ستزج مرة أخرى حتمًا بكافة الموروثات البشرية، وفي مقدمتها الموروثات الآسيوية في مسار تدفق التاريخ.
إن وجود كتاب (المثنوي) بين أكثر الكتب مبيعًا في الولايات المتحدة، ووصول الإسلام إلى المرتبة الثانية من حيث الانتشار في كثير من الدول الغربية، والارتفاع السريع للقيم التقليدية الخاصة بالحضارات الهندية والصينية ستفرض انفتاحًا وتكيفًا حضاريًّا جديدًا، وليس صدامًا حضاريًّا كالذي أعلنه هنتنجتون.
وتركيا في هذه العملية أمام مسئولية تشكيل توفيق بين عمقها التاريخي وعمقها الاستراتيجي بشكل جديد وذي جدوى، وأمام مسئولية تفعيل ذلك كله داخل العمق الجغرافي. وإذا ما استطاعت تركيا وهي دولة محورية أن تفعل ذلك فتصبح دولة مركزية تحقق التكامل الجيوسياسي والجيوثقافي والجيواقتصادي.
أسس السياسة الخارجية التركية الجديدة
وحتى يمكن لتركيا تطبيق سياسة خارجية إيجابية، ينبغي عليها انتهاج مبادئ أساسية ستة:
المبدأ الأول: التوازن السليم بين الحرية والأمن. ويقصد به إن مشروعية النظم السياسية يمكنها أن تتحقق بتوفيرها الأمن لشعوبها، وعدم تقليص الحريات في مقابل ذلك. وأن الأنظمة التي توفر الأمن لشعوبها وتحرمها من الحرية تتحول مع الوقت إلى أنظمة سلطوية، وكذلك الأنظمة التي تضحي بالأمن بدعوى أنها ستقدم الحريات ستصاب بحالة من الاضطراب المخيف
والمبدأ الثاني: هو مبدأ تصفير (من الصفر) المشكلات مع دول الجوار، وهو مبدأ نتائجه الإيجابية واضحة بجلاء لكل متابع فعند مقارنة وضع تركيا الآن بما كانت عليه قبل أربعة أو خمسة أعوام سنجد أن علاقات تركيا مع كافة دولها المجاورة باتت علاقات وطيدة لأكبر درجة. وأبرز الأمثلة على ذلك هي علاقاتها مع سوريا وجورجيا.
أما المبدأ الثالث: فهو مبدأ مهم يقوم على التأثير في الأقاليم الداخلية والخارجية لدول الجوار، ويمكننا هنا التحدث عن تأثير تركيا في البلقان والشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى.
أما المبدأ الرابع: فهو مبدأ السياسة الخارجية متعددة الأبعاد، ويرتكز على أن العلاقات مع اللاعبين الدوليين ليست بديلة عن بعضها البعض وإنما هي متممة لبعضها البعض. وهو مبدأ يسعى لرؤية علاقات تركيا الإستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية علاقات في ظل ارتباطها بحلف الناتو، وتحت مفهوم العلاقات الثنائية وكذلك يرى جهود تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوربي، وكذلك سياستها مع روسيا وأوراسيا على ذات الوتيرة من التزامن علاقات تجري كلها في إطار التكامل، وليست علاقات متضادة أو بديلة عن بعضها البعض.
والمبدأ الخامس: هو مبدأ الدبلوماسية المتناغمة وعند النظر لأداء تركيا الدبلوماسي من حيث عضوية تركيا في المنظمات الدولية، واستضافتها للمؤتمرات والقمم الدولية نجد تطورات مهمة وجادة إذا ما قارناها بأدائها الدبلوماسي قبل عام 2003. فقد استضافت تركيا قمة الناتو، وقمة منظمة المؤتمر الإسلامي، فضلاً عن استضافتها لمعظم المنتديات الدولية. كما أنها أصبحت عضوًا مراقبًا في منظمة الاتحاد الأفريقي عام 2007.
وشاركت تركيا في جامعة الدول العربية كضيفة على مستوى وزراء الخارجية ورؤساء الوزراء على حد سواء. كما وقعت مع جامعة الدول العربية على اتفاقية خاصة على خلفية اجتماع الدول جوار العراق في الثاني من نوفمبر 2007 . وعلى صعيد آخر تأسست آلية اتصال ذات مستوى رفيع بين كل من باكستان وأفغانستان والتقى رئيسا الدولتين في تركيا ثلاث مرات.
أما المبدأ السادس والأخير فهو أسلوب دبلوماسي جديد. فلفترة طويلة من التاريخ كانت تركيا في نظر العالم دولة جسرية، ليست لها رسالة سوى أن تكون معبرا بين الأطراف الكبرى. والمقصود من ذلك الدور هو أن تركيا دولة تنقل طرف إلى طرف آخر دون أن تكون فاعلا بين الطرفين؛ ولذا بدت تركيا لدى الشرقي دولة غربية، ولدى الغربي دولة شرقية.
ومن ثم وجب رسم خريطة جديدة لتركيا تكون بها مرشحة لأداء دور مركزي: وأن تصبح "دولة قادرة على إنتاج الأفكار والحلول في محافل ومنتديات الشرق، رافعة هويتها الشرقية دون امتعاض، ودولة قادرة على مناقشة مستقبل أوروبا داخل محافل ومنتديات أوروبا من خلال نظرتها الأوروبية".
تركيا والشرق الأوسط
ومن الملاحظ أن الفصل الثالث الذي يتناول الشرق الأوسط يمثل قسما كبيرا يقترب من ربع حجم الكتاب بأكمله، وهو ما يعطي إشارة إلى الأهمية التي يوليها أوغلو للشرق الأوسط من جانب، وإلى مدى الدقة التي تناول بها قضايا الشرق الأوسط كل على حدة من زاوية إبراز ماهية الدور الذي يمكن لتركيا أن تضطلع به في منطقة الشرق الأوسط على نحو يعزز من مكانتها الدولية، مستفيدة من عمقها التاريخي والجغرافي والثقافي مع دول الشرق الأوسط.
وفي هذا الفصل يُقَيم أوغلو السياسة التركية تجاه الشرق الأوسط بقوله: "لقد فقدت تركيا الأحزمة الاستراتيجية الأكثر قوة في منطقة الشرق الأوسط في الربع الأول من القرن العشرين، وعاشت بعيدة عن المنطقة بشكل عام في ربعيه الثاني والثالث، وطورت سلسلة علاقات متأرجحة بين صعود وهبوط مع دول المنطقة خلال الربع الأخير من القرن نفسه، وهي اليوم مضطرة لأن تعيد تقييم علاقاتها مع المنطقة من جديد بشكل جذري".
ويحمل أوغلو رؤية جديدة تدعو تركيا إلى أن تقيم علاقاتها وتجربتها المتراكمة بطريقة بعيدة عن الهواجس الأيديولوجية لتحدد بعقلانية العناصر الأساسية في علاقتها مع العالم الإسلامي. ويقول بأن "تركيا اليوم ليست الدولة العثمانية التي تحمل على عاتقها مسؤولية العالم الإسلامي كله، كما أنها ليست في مواجهة تصفية حسابات مع القوى العظمى نتيجة ارتباطاتها بعلاقات مع المجتمعات الإسلامية. ولذلك فإن ردود الأفعال ذات البعد النفسي لن تتوقف عند التأثير على علاقات تركيا مع العالم الإسلامي بشكل سلبي فحسب، بل ستتعدى كذلك إلى تضييق ساحة مناورة تركيا الدبلوماسية في العمق الآسيوي والإفريقي كذلك."
وفي هذا الإطار، يؤكد أوغلو على ضرورة أن تعنى تركيا "أولا وقبل أي شيء، بتطوير وجهة نظرها على نحو يجعلها قادرة على التحسس المستمر لنبض العالم العربي، وتلمس إيقاع التغير الاجتماعي، والثقافي، والسياسي الذي يجري داخل مجتمعاته؛ وذلك باعتبار هذه الخطوة مرحلة إعداد أولي للدبلوماسية التركية."
وبالنسبة لمشكلة الأكراد داخل منطقة الشرق الأوسط بشكل عام وداخل تركيا خاصة، يطرح أوغلو رؤية مفادها أن التوصل إلى حل دائم للمشكلة، مرهون بمدى القدرة على إعادة تقييم الأبعاد الثقافية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية للمشكلة على نحو متكامل. ويرى أن ثمة مبدءان رئيسيان ينبغي لمقترحات الحل الثقافي والاقتصادي والسياسي الاعتماد عليها وهما:
1- تقوية مشاعر المرجعية الاجتماعية باعتبارها كلا لا يتجزأ، ودعم العناصر التاريخية والدينية الثقافية والجغرافية التي تؤكد هذه المشاعر.
2- ضمان الوعي بحق المساواة للمواطنين باعتباره أساس للشرعية السياسية، دون الشعور بالحاجة إلى تدخل أي قوى خارجية.
ويرى أوغلو أن العاملين الجغرافي والتاريخي عنصران أساسيان في تحقيق التوازن للجيوسياسية الشرق أوسطية من خلال إحداث التوازن للمثلث الإستراتيجي الحساس الذي يقع في أطرافه الثلاثة كل من: مصر وتركيا وإيران، وأن التوازنات الخارجية لهذا المثلث تشكل شبكة من العلاقات المتداخلة مع مثلث (العراق - سوريا - السعودية)، وأن على تركيا وهي تحلل التحالفات القائمة في الشرق الأوسط وتوازناتها المقابلة أن تنظر بعين الاعتبار أيضا إلى مثلث أصغر ظل مهملا في هذه التوازنات، وهو مثلث (الأردن - فلسطين - لبنان، بالإضافة إلى شمال العراق مؤخرا) ذلك المثلث الذي يرتبط بعلاقة مجابهة مباشرة بإسرائيلوالذي تتحدد توازناته من قبل العلاقات داخل المثلثات الخارجية.
وفيما يخص القضية الفلسطينية يرى أوغلو أن "تركيا يمكن لها أن تضطلع بدور دبلوماسي فعال بما تملكه من وضعية متميزة؛ حيث أنها دولة مسلمة غير عربية، وهي أيضا دولة في المنطقة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، وهي أيضا عضو في حلف الناتو تتمتع بعلاقات إستراتيجية قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية. فإن حجم العلاقات التي يمكن لتركيا تفعيلها في هذا الإطار مع منظمة المؤتمر الإسلامي، ومع الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، إضافة إلى ما تمتلكه تركيا من تراث تاريخي لمدينة القدس ووثائقها الأرشيفية، لهما كفيلان بإكساب تركيا وضعية دبلوماسية مهمة."
أما عن العلاقات التركية الإسرائيلية، فيرى أنها قد عززت من النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، وأضفت عليه المشروعية، لاسيما في فترة ما بعد الحرب الباردة، وفي ظل مناخ عملية السلام. وأن هذه العلاقات قد أثرت على مكانة تركيا لدى العالم العربي والرأي العام فيه.
ويرى كذلك أن هذه العلاقة لم تحقق لدولة مثل تركيا، وهي من أقوى الدول ذات العمق التاريخي والجغرافي في المنطقة، دورًا فعالا في عملية السلام بالشرق الأوسط، وجعلتها تبدو وكأنها عنصرا مهملا مهمشا في هذه العملية.
وفي المقابل ينظر أوغلو إلى العلاقات التركية الإيرانية باعتبارها علاقات استوجبتها البنية الجيوسياسية متعددة الاتجاهات لدى كلا الدولتين، وأن ثمة ثلاثة أجنحة على الأقل تربط بين هاتين الدولتين هي: الشرق الأوسط، والقوقاز، وآسيا الوسطى؛ إذ إن موقع الدولتين في غرب آسيا يفترض على كل منهما تطوير سياسات تراعي فيها كل دولة منهما الأخرى في السياسات المعنية بهذه المناطق، وفي ساحات التأثير المتبادل بين هذه المناطق.
وبإيجاز فإن أوغلو يبلور رؤيته في الاستراتيجية التركية تجاه الشرق الأوسط في عدة عناصر تمثل الحد الأدنى اللازم توفره من أجل نجاح تركيا في في انتهاج إستراتيجية سليمة تحيط بالشرق الأوسط من الناحيتين الجيوثقافية والجيواقتصادية، وتبني سياسة خارجية مرنة تحقق التنسيق بين التكتيكات الدبلوماسية والعسكرية، والتحلي بمهارة مرحلية واعية وقادرة على تقييم تأثير المنطقة في السياسات العالمية. ويمكن إيجاز هذه العناصر الرئيسية فيما يلي:
1- تجاوز العوائق السيكولوجية التي أثرت سلبا على الانفتاح الدبلوماسي نحو المنطقة.
2- إقامة أبنية مؤسسية، وتطوير الموجود منها مثل المراكز البحثية والمعاهد الأكاديمية لتتابع التطورات الإقليمية عن كثب وتقييمها، وتوفير تصورات وسيناريوهات متعمقة.
3- إقامة علاقة سليمة بين التوازنات الدولية وبين السياسة الواقعية الإقليمية.
4- طرح مشروعات شاملة للمنطقة بأسرها.
5- المبادرة بتشكيل مجالات المصالح المشتركة التي تعزز السلام في المنطقة.
6- الحيلولة دون تشكل تكتلات قومية مضادة تمثل ساحات أخطار جيوسياسية وجيوثقافية ضد السلام في المنطقة.
7- الحد من إثارة ردود الأفعال من خلال تنويع العلاقات الثنائية.
8- تبني مقاربة عالية التأثير والفاعلية والمبادرة في كل مجالات المشكلات الإقليمية وفي مقدمتها عملية السلام في الشرق الأوسط.
9- تكثيف الاتصالات والعلاقات الأفقية التي تعزز من صورة تركيا في المنطقة.
وفي النهاية يمكن القول إن رؤية أوغلو لسياسة تركية تجاه الشرق الأوسط ارتكزت على ما تتمتع به تركيا من عمق استراتيجي داخل المناطق العربية والإسلامية في الشرق الأوسط من جهة، وعلى الأوضاع الجيواستراتيجية والجيواقتصادية الراهنة بالمنطقة.
وترتكز السياسة التركية في الشرق الأوسط على أربعة مبادئ أساسية. المبدأ الأول هو إحلال الأمن وكفالته لكل شخص دون تمييز بين مجموعة وأخرى ودولة وأخرى. والمبدأ الثاني هو الارتقاء بمستوى الحوار السياسي إلى أعلى درجة حتى يتجاوز الأزمات. أما المبدأ الثالث فخاص بالاقتصاد المتبادل وهو ركيزة أساسية لإقامة نظام في هذه المنطقة. أما المبدأ الرابع والأخير فهو التعاون الثقافي.
اون اسلام

الجمعة، 24 ديسمبر 2010

قراءة في العمق الإستراتيجي لتركيا

نقلاً عن  موقع شبكة أناضول يمن الاعلامية

قراءة في العمق الإستراتيجي لتركيا

" إن كل مجتمع واعد يزعم بأنه يؤثر في التاريخ وليس كمًّا مهملاً، وأنه يكتب التاريخ وليس يقرأه، إنما هو مجتمع مضطر أولاً لإعادة تفسير زمانه ومكانه، وبلورة وعي متجدد بعمقه الاستراتيجي: الجغرافي، والتاريخي، والحضاري".


  
   
هذه هي الرؤية التي كان يحملها الأستاذ الدكتور أحمد داود أوغلو منذ أن خطى أولى خطواته الأكاديمية في مجال العلاقات الدولية، واضعا وطنه ومجتمعه في بؤره أهدافه البحثية.
وكان داود أوغلو معروفا بين أقرانه وأساتذته بتدينه الرشيد الواعي، ومشهودا له كذلك بالنبوغ والذكاء. وهو ما يمكنه أن يفسر المسئولية التي حملها على عاتقه بالبحث عن سبيل لنهضة أمته الإسلامية، ووطنه التركي. هذه المسئولية التي سخر من أجلها أدوات بحثه الأكاديمي؛ ودرس بوعي النظريات الغربية، وقبل منها ورفض، إلى أن بلور نظريته الخاصة لاستعادة وطنه مكانته التاريخية والحضارية داخل محيط السياسة الدولية ومنظماتها المعاصرة.
و" العمق الاستراتيجي.. موقع تركيا ودورها في السياسة الدولية " ليس كتابا أكاديميا أو مؤلفا فكريا فحسب؛ بل أيضا هو نظرية جديدة تُضاف إلى علوم السياسة المعاصرة. وتعد هذه النظرية خلاصة بحث طويل ودراسات متعمقة في عوامل النهضة والريادة لكل مجتمع ودولة تمتلك مقومات نهضتها وتعيها، بيد أن ما يميز هذا الكتاب هو تجاوزه للأطر النظرية المجردة؛ ليصوغ رؤية استراتيجية تطبيقية شاملة لما يمكن أن تكون عليه مكانة تركيا في الساحة الدولية.
ولعل ما سيفاجئ القارئ العربي عند مطالعته لهذا الكتاب عند صدور طبعته العربية قريبا بإذن الله، أن هذه النظرية والاستراتيجية المطروحة عند صدور الطبعة الأولى من الكتاب قبل عشر سنوات تقريبا، قد تجسدت واقعا حيا ملموسا لكل متابع لتطورات الأحداث التركية داخل تركيا وخارجها.
ومن الملفت للنظر أيضا، وهي مفارقة نادرة، أن يسمح القدر لصاحب النظرية بتطبيقها بنفسه، وهو ما توفر لداود أوغلو منذ توليه منصب كبير مستشاري رئيس الوزراء عام 2003، وانتهاء بتعيينه وزيرا للخارجية التركية العام الماضي 2009.
والكتاب الذي نعرض له قد صدرت طبعته التركية الأولى عام 2001، وبلغت عدد طبعاته حتى شهرنا الحالي 44 طبعة، منها أربعة عشر طبعة خلال العام الأخير فقط منذ تولية داود أوغلو وزارة الخارجية التركية. ويعد الكتاب مرجعا لكل المشتغلين بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية في تركيا ولاسيما في فترة حكومة العدالة والتنمية.
ويبلغ الكتاب نحو (600) صفحة في طبعته التركية مقسمة إلى ثلاثة أبواب رئيسية تعرض لنظرية العمق الاستراتيجي، والتطبيقات المطروحة لها على الحالة التركية.
يحمل الباب الأول عنوان "الإطار المفاهيمي والتاريخي" ويشتمل على ثلاثة فصول يتناول الأول منها مقاييس القوة والتخطيط الإستراتيجي، وشرحا لمعادلة القوة وعناصرها الثابتة والمتغيرة، والعنصر البشري وتأثيره البالغ في صنع الإستراتيجية، ويقدم الفصل الثاني إعادة تحليل لعناصر القوة التركية، وبيانا لأوجه قصور النظرية الإستراتيجية التركية والنتائج المترتبة عليها، أما الفصل الأخير فيعرض للإرث التاريخي والبنية التحتية للثقافة السياسية التركية، وتطوراتها بعد انتهاء الحرب الباردة.
ووضع أوغلو للباب الثاني عنوان " الإطار النظري: الإستراتيجية المرحلية والسياسات المرتبطة بالمناطق الجغرافية "، وجعله في أربعة فصول لشرح نظرية العمق الاستراتيجي وعناصرها، مع التركيز على العمق الاستراتيجي التركي في المناطق ذات الارتباطات الجغرافية معها.
وتناول بالدراسة في الفصل الأول النظريات الجيوسياسية والإستراتيجيات العالمية في فترة ما بعد الحرب الباردة، وأهمية استيعاب العامل المكاني، والمحددات الجغرافية في ملأ ساحات الفراغ الجيوسياسي. وفي الفصول الثلاثة الأخرى حلل الضرورات التاريخية وعناصر الاستراتيجيات البرية والبحرية بالنسبة لتركيا فيما يتعلق بالمناطق البرية القريبة: البلقان و الشرق الأوسط والقوقاز، والأحواض البحرية القريبة: البحر الأسود، وشرق المتوسط، والخليج، وبحر قزوين، والمناطق القارّية القريبة: أوروبا، وشمال أفريقيا، وجنوب آسيا، ووسط و شرق آسيا. كما تناول أيضا الفصل الأخير من هذا الباب العناصر التركية الأساسية المحددة لعمق تركيا الأسيوي، والأفريقي.
وأما الباب الأخير فيمثل القسم الأكبر من الكتاب، ويشتمل على الوسائل الاستراتيجية والسياسات الإقليمية التي رأى أوغلو أنها ستحقق لتركيا مكانتها المرموقة في الساحة الدولية. ويضم هذا الباب خمسة فصول على النحو التالي:
الفصل الأول: الارتباطات الإستراتيجية لتركيا وأدوات سياستها الخارجية
أولاً: تركيا والمحور الأطلسي في إطار المهمة الجديدة لحلف شمال الأطلسي 
ثانياً: منظمة الأمن والتعاون الأوروبي
ثالثاً: منظمة المؤتمر الإسلامي: خط التأثير الجيوسياسي والجيوثقافي بين إفريقيا وآسيا
رابعاً: منظمة التعاون الاقتصادي: العمق الآسيوي
خامساً: منظمة التعاون الاقتصادي لحوض البحر الأسود: مناطق الإستب والبحر الأسود
سادساً: مجموعة الدول النامية الثمانية والعلاقات الآسيوية الأفريقية
سابعاً: الاقتصاد السياسي الدولي ومجموعة الدول العشرين (G-20)
الفصل الثاني: التحول الاستراتيجي والبلقان
أولاً: البلقان و التناقضات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة
ثانياً: التوازنات الداخلية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة
ثالثاً: أزمة البوسنة واتفاقية "دايتون"
رابعاً: تدخل حلف شمال الأطلسي ومستقبل كوسوفو
خامساً: أسس السياسة التركية تجاه البلقان
الفصل الثالث: الشرق الأوسط: مفتاح التوازنات الاقتصادية السياسية والإستراتيجية
أولاً: العوامل المؤثرة على الوضع الدولي للشرق الأوسط
ثانياً: الشرق الأوسط و القوى العالمية 
ثالثاً: الشرق الأوسط و قضية التوازنات الداخلية 
رابعاً: تركيا و الديناميات الأساسية في سياسة الشرق الأوسط 
الفصل الرابع: سياسة آسيا الوسطى في ظل توازن القوى الأور- آسيوية
أولاً: العوامل المؤثرة على الوضع الدولي لآسيا الوسطى
ثانياً: مرحلة ما بعد الاتحاد السوفييتي والتحول في آسيا الوسطى
ثالثاً: آسيا الوسطى و توازن القوى الدولية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة
رابعاً: السياسة الخارجية التركية واستراتيجية آسيا الوسطى
الفصل الخامس: الاتحاد الأوروبي : تحليل لعلاقة متعددة الأبعاد والمستويات
أولاً: مستوى العلاقات الدبلوماسية السياسية
ثانياً: مستوى التحليل الاقتصادي الاجتماعي
ثالثاً: مستوى التحليل القانوني
رايعاً: مستوى التحليل الاستراتيجي
خامساً: مستوى التحول الحضاري و الثقافي
سادساً: علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي بين شقي رحى الانعكاسات التاريخية
ومن الملاحظ أن الفصل الثالث الذي يتناول الشرق الأوسط يمثل قسما كبيرا يقترب من ربع حجم الكتاب بأكمله، وهو ما يعطي إشارة إلى الأهمية التي يوليها أوغلو للشرق الأوسط من جانب، وإلى مدى الدقة التي تناول بها قضايا الشرق الأوسط كل على حدة من زاوية إبراز ماهية الدور الذي يمكن لتركيا أن تضطلع به في منطقة الشرق الأوسط على نحو يعزز من مكانتها الدولية، مستفيدة من عمقها التاريخي والجغرافي والثقافي مع دول الشرق الأوسط.
وفي هذا الفصل يُقَيم أوغلو السياسة التركية تجاه الشرق الأوسط بقوله: " لقد فقدت تركيا الأحزمة الاستراتيجية الأكثر قوة في منطقة الشرق الأوسط في الربع الأول من القرن العشرين وعاشت بعيدة عن المنطقة بشكل عام في ربعيه الثاني والثالث، وطورت سلسلة علاقات متأرجحة بين صعود وهبوط مع دول المنطقة خلال الربع الأخير من القرن نفسه، وهي اليوم مضطرة لأن تعيد تقييم علاقاتها مع المنطقة من جديد بشكل جذري."
ويحمل أوغلو رؤية جديدة تدعو تركيا إلى أن تقيم علاقاتها وتجربتها المتراكمة بطريقة بعيدة عن الهواجس الأيديولوجية لتحدد بعقلانية العناصر الأساسية في علاقتها مع العالم الإسلامي. ويقول بأن " تركيا اليوم ليست الدولة العثمانية التي تحمل على عاتقها مسؤولية العالم الإسلامي كله، كما أنها ليست في مواجهة تصفية حسابات مع القوى العظمى نتيجة ارتباطاتها بعلاقات مع المجتمعات الإسلامية. ولذلك فإن ردود الأفعال ذات البعد النفسي لن تتوقف عند التأثير على علاقات تركيا مع العالم الإسلامي بشكل سلبي فحسب، بل ستتعدى كذلك إلى تضييق ساحة مناورة تركيا الدبلوماسية في العمق الآسيوي والإفريقي كذلك."
وفي هذا الإطار، يؤكد أوغلو على ضرورة أن تعنى تركيا " أولا وقبل أي شيء، بتطوير وجهة نظرها على نحو يجعلها قادرة على التحسس المستمر لنبض العالم العربي، وتلمس إيقاع التغير الاجتماعي، والثقافي، والسياسي الذي يجري داخل مجتمعاته؛ وذلك باعتبار هذه الخطوة مرحلة إعداد أولي للدبلوماسية التركية."
وبالنسبة لمشكلة الأكراد داخل منطقة الشرق الأوسط بشكل عام وداخل تركيا خاصة، يطرح أوغلو رؤية مفادها أن التوصل إلى حل دائم للمشكلة، مرهون بمدى القدرة على إعادة تقييم الأبعاد الثقافية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية للمشكلة على نحو متكامل. ويرى أن ثمة مبدءان رئيسيان ينبغي لمقترحات الحل الثقافي والاقتصادي والسياسي الاعتماد عليها وهما: 
1- تقوية مشاعر المرجعية الاجتماعية باعتبارها كلا لا يتجزأ، ودعم العناصر التاريخية والدينية الثقافية والجغرافية التي تؤكد هذه المشاعر. 
2- ضمان الوعي بحق المساواة للمواطنين باعتباره أساس للشرعية السياسية، دون الشعور بالحاجة إلى تدخل أي قوى خارجية.


ويرى أوغلو أن العاملين الجغرافي والتاريخي عنصران أساسيان في تحقيق التوازن للجيوسياسية الشرق أوسطية من خلال إحداث التوازن للمثلث الإستراتيجي الحساس الذي يقع في أطرافه الثلاثة كل من: مصر وتركيا وإيران. وأن التوازنات الخارجية لهذا المثلث تشكل شبكة من العلاقات المتداخلة مع مثلث (العراق - سوريا - السعودية)، وأن على تركيا وهي تحلل التحالفات القائمةفي الشرق الأوسط وتوازناتها المقابلة أن تنظر بعين الاعتبار أيضا إلى مثلث أصغر ظل مهملا في هذه التوازنات، وهو مثلث (الأردن - فلسطين - لبنان، بالإضافة إلى شمال العراق مؤخرا) ذلك المثلث الذي يرتبط بعلاقة مجابهة مباشرة بإسرائيلوالذي تتحدد توازناته من قبل العلاقات داخل المثلثات الخارجية.
وفيما يخص القضية الفلسطينية يرى أوغلو أن " تركيا يمكن لها أن تضطلع بدور دبلوماسي فعال بما تملكه من وضعية متميزة؛ حيث أنها دولة مسلمة غير عربية، وهي أيضا دولة في المنطقة مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، وهي أيضا عضو في حلف الناتو تتمتع بعلاقات إستراتيجية قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية. فإن حجم العلاقات التي يمكن لتركيا تفعيلها في هذا الإطار مع منظمة المؤتمر الإسلامي، ومع الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، إضافة إلى ما تمتلكه تركيا من تراث تاريخي لمدينة القدس ووثائقها الأرشيفية، لهما كفيلان بإكساب تركيا وضعية دبلوماسية مهمة."
أما عن العلاقات التركية الإسرائيلية، فيرى أن هذه العلاقة لم تحقق لدولة مثل تركيا، وهي من أقوى الدول ذات العمق التاريخي والجغرافي في المنطقة، دورًا فعالا في عملية السلام بالشرق الأوسط، وجعلتها تبدو وكأنها عنصرا مهملا مهمشا في هذه العملية. بينما ينظر أوغلو إلى العلاقات التركية الإيرانية باعتبارها علاقات استوجبتها البنية الجيوسياسية متعددة الاتجاهات لدى كلا الدولتين، وأن ثمة ثلاثة أجنحة على الأقل تربط بين هاتين الدولتين هي: الشرق الأوسط، والقوقاز، وآسيا الوسطى؛ إذ إن موقع الدولتين في غرب آسيا يفترض على كل منهما تطوير سياسات تراعي فيها كل دولة منهما الأخرى في السياسات المعنية بهذه المناطق، وفي ساحات التأثير المتبادل بين هذه المناطق.
وبإيجاز فإن أوغلو يبلور رؤيته في الاستراتيجية التركية تجاه الشرق الأوسط في عدة عناصر تمثل الحد الأدنى اللازم توفره من أجل نجاح تركيا في في انتهاج إستراتيجية سليمة تحيط بالشرق الأوسط من الناحيتين الجيوثقافية والجيواقتصادية، وتبني سياسة خارجية مرنة تحقق التنسيق بين التكتيكات الدبلوماسية والعسكرية، والتحلي بمهارة مرحلية واعية وقادرة على تقييم تأثير المنطقة في السياسات العالمية. ويمكن إيجاز هذه العناصر الرئيسية فيما يلي:
1- تجاوز العوائق السيكولوجية التي أثرت سلبا على الانفتاح الدبلوماسي نحو المنطقة. 
2- إقامة أبنية مؤسسية، وتطوير الموجود منها مثل المراكز البحثية والمعاهد الأكاديمية لتتابع التطورات الإقليمية عن كثب وتقييمها، وتوفير تصورات وسيناريوهات متعمقة. 
3- إقامة علاقة سليمة بين التوازنات الدولية وبين السياسة الواقعية الإقليمية. 
4- طرح مشروعات شاملة للمنطقة بأسرها. 
5- المبادرة بتشكيل مجالات المصالح المشتركة التي تعزز السلام في المنطقة. 
6- الحيلولة دون تشكل تكتلات قومية مضادة تمثل ساحات أخطار جيوسياسية وجيوثقافية ضد السلام في المنطقة. 
7- الحد من إثارة ردود الأفعال من خلال تنويع العلاقات الثنائية. 
8- تبني مقاربة عالية التأثير والفاعلية والمبادرة في كل مجالات المشكلات الإقليمية وفي مقدمتها عملية السلام في الشرق الأوسط. 
9- تكثيف الاتصالات والعلاقات الأفقية التي تعزز من صورة تركيا في المنطقة.
وفي النهاية يمكن القول أن رؤية أوغلو لسياسة تركية تجاه الشرق الأوسط قد ارتكزت على ما تتمتع به تركيا من عمق استراتيجي داخل المناطق العربية والإسلامية في الشرق الأوسط من جهة، وعلى الأوضاع الجيواستراتيجية والجيواقتصادية الراهنة بالمنطقة.
ويؤكد أوغلو على جوهر رؤيته بقوله: " ولأن تركيا هي الوريث التاريخي لآخر كيان جامع جيوسياسيا، وجيوثقافيا، وجيواقتصاديا في المنطقة؛ فهي مضطرة إلى اعتماد مقاربة إستراتيجية تمكنها من تجاوز هذه التمزقات الجيوسياسية، والجيوثقافية، والجيواقتصادية، وتمكنها كذلك من الإحاطة بالمنطقة بوصفها كلا متكاملا، ويجب عليها تطبيق هذه المقاربة مرحليا في ظل مرونة تكتيكية. ومثل هذه المقاربة، لن تقتصر على زيادة تأثير تركيا على المنطقة فحسب، بل إنها في الآن ذاته ستمكن تركيا من الاضطلاع بدور لا يمكن لها فيه إغفال أي فاعل داخل التوازنات الدولية والتوازنات الإقليمية".
د. طارق عبد الجليل
مدرس تاريخ تركيا المعاصر بجامعة عين شمس
tarek1996@hotmail.com

تكنولوجيا