الأربعاء، 22 ديسمبر 2010

لغتي هي عالمي وحدود لغتي هي حدود عالمي



لغتي هي عالمي وحدود لغتي هي حدود عالمي

فضيلة صديق

إذا كان الإنسان المسلم هو مشروع حضاري لم يكتمل بعدُ، فإن الطفل المسلم هو مشروع ذلك المشروع.
 إن مكانة الطفل في تراثنا الإسلامي مرموقة، وقد كتب الكثيرون من الفلاسفة والتربويين أمثال: الفارابي وابن سينا
 والغزالي وإخوان الصفا... عن أهمية الطفل ومكانته في المجتمع ونادوا بضرورة رعايته منذ الولادة، بل قبل أن
 يولد عندما يكون جنيناً في بطن أمه، بل قبل أن يصبح مشروع حياة، وذلك باختيار شريكة الحياة أو أم المستقبل،
 وذلك امتثالاً لقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: "تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس" (رواه ابن ماجه).
وتُجمِع كتب علم النفس على أن الطفولة هي المرحلة التي يقضيها الكائن الحي في رعايةِ وتربية الآخرين حتى
 ينضج ويكتمل ويستقل بنفسه ويعتمد عليها في تدبير شؤونه وتأمين حاجاته البيولوجية والنفسية والاجتماعية.(1)
وتعتبر مرحلة الطفولة من أهم مراحل النمو وأكثرها أثراً في حياة الإنسان، كما يعتبر الاهتمام بدراسة الطفولة
 اهتماماً بالمجتمع ذاته وبتقدمه. فأطفال اليوم هم شباب الغد ورجاله، وبقدر إعدادهم الإعداد السليم للحياة يتوفر
 للأمة المستقبل والتقدم والحضارة، ذلك أن الحكم على المجتمع ليس بما يتوفر لديه من إمكانيات مادية،
 وإنما بقدر ما يتوفر لديه من ثروة بشرية.

اللغة هي قدر الإنسان
اللغة هي قدر الإنسان الاجتماعي، فكما تكشف عن طبقته وجذور نشأته، تكشف أيضاً عن عقليته وقدراته
 وميوله الفكرية. وأبعد من ذلك، فإن اللغة وعاء لحفظ التراث الإنساني وإنماء الثقافة ونقلها إلى الأجيال.
 وعن أهمية اللغة يقول أهل النسبية اللغوية: "لغتي هي عالمي، وحدود لغتي هي حدود عالمي".
 فـ"اللغة هي الذات وهي الهوية، وهي أداتنا لكي نصنع من المجتمع واقعاً" كما يقول "بتر برجر".
وثقافة كل أمة كامنة في لغتها، كامنة في معجمها ونحوها ونصوصها. واللغة -بلا منازع- أبرز السمات الثقافية.
 وما من حضارة إنسانية إلا وصاحبتها نهضة لغوية، وما من صراع بشري إلا ويبطن في جوفه صراعاً لغوياً،
 حتى قيل: إنه يمكن صياغة تاريخ البشرية على أساس من صراعاتها اللغوية.(2)
مفهوم الهوية
في كتابه "تلخيص ما بعد الطبيعة" يقول الفيلسوف الكبير ابن رشد: "إن الهوية تقال بالترادف للمعنى الذي يطلق على
 اسم الموجود، وهي مشتقة من "الهو"، كما تشتق الإنسانية من الإنسان". وهو بهذا يعود بنا إلى مفهوم الهوية
 أو الذاتية في منطق أرسطو باعتبارها "تماثل الشيء مع ذاته"، فـ"ألف" هي "ألف" وليست "لا ألف".
 ولهذا نرى في "التعريفات" للجرجاني، أن الهوية هو الأمر المتعقّل من حيث امتيازه عن الأغيار،
 والامتياز هنا بمعنى "الخصوصية" و"الاختلاف" لا بمعنى "التفاضل". ولعل ابن خلدون قد استطاع أن يبرز
 هذا المعنى أكثر وضوحا بقوله في "المقدمة": "لكل شيء طبيعة تخصه". وعلى هذا فانتفاء خصوصية الشيء
 هو انتفاء لوجوده ونفيه.(3)
الطفل واللغة
يؤكد الموجهون التربويون على أن: "التربية اللغوية لها مكانة بارزة، لأن لغة الكلام تسود وتساند جميع نشاطات
 الطفل الأخرى".(4) ولهذا السبب يرى "مالينوفسكي" أن المفردات اللغوية في أي مجتمع من المجتمعات تعتب
ر المرآة الصادقة التي تعكس صورة واضحة لما عليه أفراد هذا المجتمع؛ من ثقافة ونظم وعادات وتقاليد واتجاهات.
 وكما هو معلوم، فإن نمو الذكاء يتم على قدر المساواة مع النضج اللغوي؛ فبدون اللغة اللفظية التي تصبغ التفكير
 بالصبغة الاجتماعية، من المستحيل نضج ذكاء الطفل بصورة كاملة وهذا ما أكده "جان بياجيه".
ونظرا لأهمية مرحلة الطفولة في مجال البحث السيكولوجي والتربوي، لما لهذه الفترة من تأثير مباشر على حياة
الفرد فيما بعد، فإننا نجد مدرسة التحليل النفسي بزعامة "فرويد"، تؤكد على أن السنوات الخمس الأولى من عمر
 الطفل، هي التي تكون نواة شخصيته. وتؤكد أيضاً على أهمية معاملة الطفل في هذه المرحلة بكثير من الحب
 العطف؛ بمعنى أن سلوك الفرد الراشد ما هو إلا امتداد لخبرات الطفولة المبكرة. وإذا نظرنا إلى اللغة نجد أنها أحد
 جوانب هذا السلوك، حيث تتأثر بعوامل تكوينية وبيئية.(5)

مصادر التربية اللغوية عند الطفل
المنـزل: أثبتت الأبحاث العلمية أن الأسرة هي المكان الأمثل لتربية الطفل ولتكوينه عاطفياً ولغوياً، حيث تلعب
الرعاية والعواطف الأبوية دوراً بارزاً في اكتساب الطفل للغة،
ولذلك يقول اللغوي الفرنسي "مارسيل كوهين": "يتمتع الأطفال بأفضل ظروف للنمو، واكتساب اللغة خاصة
 عندما يتم رعايتهم بدأب وتفان منقطع النظير وبهدوء تام، من جانب الوالدين أو من يقوم مقامهما".(6)
وللوالدين في تربية الطفل دور ذو خطر وبال، فهما اللذان "يهودانه أو ينصرانه". وللأم بالذات الدور الأكبر
 والأعمق والأكثر تأثيراً؛ إنها تداعب صغيرها وتراقصه وتغني له وترضعه من لسانها كما ترضعه من صدرها...
 فإن كان المنطوق عربياً صحيحاً فصيحاً أو عامياً مخلوطاً أو مغلوطاً، جاء استخلاص الطفل على وفاقه.
دور التعليم: ينتقل الصغير بعدُ إلى دور التعليم، وقد يكون لديه محصول لغوي صحيح أو مغلوط أو مخلوط بلهجات،
 والمفروض أن تعي المدرسة -بدءاً بالحضانة والكتاب- احتمال وقوع هذا الوضع اللغوي المحروم من التكامل
 والتناسق، فتعمل على مواجهة هذا الاحتمال، وذلك بإشاعة جو لغوي سليم من شأنه تقريب ألسن الصغار بعضها
من بعض وصولا إلى لسان مشترك، ومن أجل هذا كانت الأنظمة التربوية الوطنية. فهي باستعمالها اللغات الوطنية
 كوسيلة للتربية، تصنع في الميدان أقوى وسيلة لبناء تفكير الأجيال القادمة.(7)
وسائل الإعلام: إن الإعلام هو تزويد الناس بالأخبار الصحيحة التي تساعدهم على تكوين رأي صائب في مشكلة من 
المشكلات.(8) ولا شك أن البرامج التلفزية والإذاعية تمتاز بتنوع كبير؛ بحيث توفر للطفل غداء عقلياً ووجدانياً
 متكاملاً إلى جانب كونها مصدراً من مصادر المعرفة والثقافة. ومعلوم أن كل تنوع في المعرفة يعكس تنوعاً
في اللغة. وإننا اليوم إن ولينا وجوهنا شطر لغة الإعلام بأنواعه، نلحظ أن استعمال اللغة فيه أصبح عشوائياً بحيث
 أضر بها ضرراً بليغاً، حيث أصبح استعمال اللهجات العامية فيها من الشائع المعروف.
اللغة والشخصية
يرى "فيخته" صاحب فلسفة "الإنية" أو "الذاتية" -وكلمة الإنية هذه لابن سينا- أن وجود أمة من الأمم بوجود
 إنيتها التي هي شخصيتها، وأن هذه الشخصية تتكون من عناصر ثلاثة: الدين، واللغة، وحب الوطن.
ويقول عن العنصر الديني: "إن تربية الشعب على التمسك بالدين والأخلاق هي أساس كل حكومة،
 وعلى الحكومة أن تؤسس معهداً دائماً لهذه التربية الدينية".
أما اللغة الأصيلة في نظر "فيخته" فهي: "رمز وجود الأمة، وبقدر أصالة اللغة والمحافظة على اللغة الأصيلة
 أو فقدانها تكون المجموعة البشرية أمة وشعباً أصيلاً أو مجرد أشتات فحسب".
والعنصر الثالث للشخصية وحياة الأمة، هو حب الوطن، يقول "فيخته": "فكما أن الدين هو العنصر
 الدائم لحياتنا الروحية... فإن حب الوطن هو العنصر الدائم والأساسي لحياتنا المدنية كمواطنين".(9)
وجاء في الأثر: "حب الوطن من الإيمان".
ومن هنا كانت اللغة الوطنية هي تلك اللغة التي تقبل من طرف الجميع كوسيلة للتبادل والاتصال الاجتماعي وكشعار
 خارجي لجنسيتهم. إن الأنظمة التربوية الوطنية باستعمالها اللغات الوطنية كوسيلة للتربية، تصنع في الميدان أقوى
وسيلة لبناء تفكير الأجيال القادمة.
اللغة، حاملة للثقافة
أصبح الاهتمام بالطفل في الدول المتقدمة يحتل مركز الأولوية من الخطط والبرامج والاهتمامات على كل المستويات
 الوطنية والقومية، وأخذت تعنى عناية فائقة بتعليم الأطفال وتثقيفهم وتربيتهم من النواحي الصحية والنفسية والثقافية والاجتماعية والعقلية... وخطط الإنماء المبرمجة اقتصادياً واجتماعياً، تَعتبر برامج تنمية الأطفال جزءاً لا يتجزأ منها.
 وقد جاء هذا الاهتمام من قبل المجتمعات المتقدمة نتيجة إيمانهم بأن العناية بطفلٍ هي عناية بالإنسان والمستقبل،
 ويلعب الجانب الثقافي الدور الطبيعي في تحقيق الطموح نحو الغد المشرق.
وإذا كانت الثقافة هي الحصيلة المشتركة من الدين واللغة والمعرفة والعمل والفن والأدب والتراث والقيم والتقاليد
 والأخلاق والتاريخ والوجدان ومعايير العقل والسلوك وغيرها من مقومات، فإن اللغة هي أخص خصائص الثقافة؛
 فهي من جهة تعتبر حاملا للثقافة، ومن جهة أخرى وسيلة للتفاهم بين الأفراد والجماعات.
 وهذا ما دفع بـ"إدوارد سابير" إلى اعتبار اللغة ظاهرة ثقافية، بل إن الثقافة نفسها هي في النهاية لغة.
ومن هذا المنطلق سيكون للعولمة دور في طمس التراث الثقافي الأصيل للأمة ومحاولة تشويهه،
 ولكي نواجه ذلك بفاعلية وجدوى، فلابد أن نبتدئ على مستوى الطفل بتنشئته تنشئة أصيلة تنمي فيه الاعتداد بالنفس
 والمقدرة على الإبداع والخلق والإشعاع، حتى يستطيع أن يقف من ذلك الغزو الثقافي المكثف بعد اجتيازه مرحلة
الطفولة موقف المغربل الواعي، لا موقف المستهلك السلبي لما يرد عليه باستمرار من الخارج.
ويشكل الاهتمام بأدب الأطفال (شعراً وقصة...) اهتماماً بالجانب الثقافي للطفل. وأول اتصال للطفل بالأدب،
 يكون عن طريق الرواية الشفوية من لدن الأم والجدة لأغنيات المهد والقصص الشعبية وصولا إلى القراءة الذاتية
 في الكتاب.
ــــــــــــ
الهوامش
(1) اكتساب اللغة العربية عند الطفل الجزائري، لحفيظة تازروتي، دار القصبة للنشر، ص:7، الجزائر 2003.
(2) ثقافة اللغة، للدكتور نيبل علي، عالم المعرفة، العدد: 265/2001، ص:227-228.
(3) حول مفهوم الهوية، للدكتور محمود أمين العالم، مجلة العربي، العدد: 437/1995، ص:26.
(4) التربية اللغوية للطفل، لسرجيو سيبيني، ترجمة: فزي عيسى وأخر، دار الفكر العربي، القاهرة 1991، ص:7.
(5) أثر تربية الملجأ وتربية الأسرة على النمو اللغوي، لنادية بعيبع، مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية،
 العدد: 3/1995، ص:109.
(6) مرجع سابق، لحفيظة تازروتي، ص:9.
(7) التربية والطابع الوطني، لزردومي امحمد، حوليات جامعة الجزائر، عدد خاص، 1995-1996، ص:88.
(8) أثر وسائل الإعلام على الطفل، للدكتور صالح ذياب هندي، جمعية المطابع، ص:17، ط1، الأردن 1990.
(9) المرجع السابع، مجلة الأصالة، ص:54
.


مشكلتنا الثقافية... أو الكينونة الذاتية

نقلاً عن مجلة حراء التركيه

فتح الله كولن

لا شك أن المعنى الذي نقصده من "الكينونة الذاتية" هو إبراز هويتنا الداخلية المنسوجة من ميراث حضارتنا الذاتية وثقافتِنا الذاتية، وجعلُها "المحور" الذي ندور حوله. فلربما يَفهم بعض الأوساط في أيامنا هذه كلمةَ "الذاتية" على أنها العروضُ الفلكلورية التي لا علاقة لها بالجذور "المعنوية" لأمتنا، و"الغرائزُ" التي تطفح حينما تحس الكتلُ البشرية بالحاجة إلى إشباع نزواتها "الجسمانية"، والمراسيمُ التي تقام في مناسبات الأكل والشرب والأعياد والأعراس...
لكننا نحن نفهم من تعبير "الذات" معنى أوسع وأشمل وأعمق؛ فهي ظاهرة أَجْرتْ فاعليتَها في كل شرائح المجتمع، وتغذت من ذاكرة الأمة وشعورها ووجدانها على مر الزمان إلى أن وصلت إلى عصرنا هذا، وانعكست على مشاعر الأمة وأفكارها ولسانها وتصوراتها الفنية وتمثلت فيها، وعشناها في أعرافنا وعاداتنا وتقاليدنا، باعتبارها أهم عمق من أعماق الحياة في كل أوان. فنحن نحس ونشعر بها في كل وحدة من وحدات الحياة، وفي كل صفحة من صفحاتها ومرحلة من مراحلها، وفي كل محطة من محطاتها؛ من الرعاية التي نلقاها في أحضان أمهاتنا إلى سلوكيات أجدادنا المشبعة بروح الأبوة الحانية التي تعكس طبيعتنا الذاتية.. ومن طبع برامجنا التربوية ومضامينها بروحنا الذاتية إلى نفخ المربي لهذه الروح بأكمل وجه.. ومن أشكال الطهي في مطابخنا إلى تصرفاتنا في حقولنا ومزارعنا.. ومن قيامنا وقعودنا في مكاتبنا إلى أخلاقياتنا المهنية.. ومن أساليب كلامنا وكتابتنا إلى علاقاتنا بالآخرين.

محور الذات
قد لا يدرك البعض -على المدى القريب- الفوائدَ العملية أو الاجتماعية للعيش في أجواء "محور الذات"، لكن من الطبيعي والبدهي أنه -على المدى البعيد وبالإصرار عليه- سوف تبدو الأهمية الحيوية له في مراحل التقدم كلها. وعلينا في هذا السياق أن نواصل السير في إطار ديننا وتراثنا وأعرافنا وعاداتنا وتقاليدنا، مع أخذ ما يستجِدُّ من تفسيرات الزمان بعين الاعتبار. وبمرور الزمان ستكون قيمنا الذاتية جزءاً لا يتجزأ من طباعنا، وما نقتبسه من الخارج سيصطبغ بصبغتنا وسنتبنّاه فيكون لوناً مهمَّا من ألوان الخطوط في نسيج أطلسنا الذاتي؛ الفكري والثقافي.
إن تلك الحضارات التي كانت تُذهل العقولَ وتبهر العيون بغناها الثقافي، لم تظهر في روما وأثينا ومصر وبابل فجأة من غير مقدمات؛ إن الثقافة في كل مكان إنما وُلِدت بعد حضانة طويلة في عالم المشاعر والأفكار للأفراد، وفي السفوح الخصبة للوجدان العام، واستقت من المناهل الداخلية بشكل مباشر، ومن الخارجية بعد الترشيح والتصفية، فترعرعت حتى صارت بعد زمانٍ عمقاً مهمًّا لطبائع الشعوب ولوناً ظاهراً لحياتها، ثم أحاطت بأرجاء الحياة كلها وإن لم تَجْرِ الألسنُ بالكلام عنها دائماً، فهيمنت على حياتها في المعبد والمدرسة والشارع والبيت والمقاهي وغرف النوم... حتى إنَّ الناس لو لم ينصاعوا لها بإرادتهم ووعيهم، فقد كانت تطوعهم بقوة سرية تأسر إرادتهم.
فأية أمة أرسيت قواعدها بهذه المثابة على أساس ثقافي بهذه الرصانة، فإنها بمرور الوقت ستصل إلى مستوى من النضج، بحيث يكون من الطبيعي لها أن تتخطى كل العقبات التي تعترض طريقها كالجهل والفقر والتشرزم والتسيب والضغوط الخارجية. فكل من حضارة روما وأثينا ومصر والعثمانيين تعتبر -ككونها من حضارات العهد الوسيط- من الأمثلة الجيدة على هذا.. وبالنسبة للتاريخ القريب تعتبر ألمانيا نموذجاً لا بأس به لولا أنها أنهكت نفسها بخوض مغامرات من نوع الحرب العالمية الثانية.
فبعد الحرب العالمية الثانية، انقلبت ألمانيا عاليها سافلها، وصار اقتصادها ركاماً، وتسلط الأجانب على سيادتها الوطنية، وتفرَّق المجتمعُ إلى معسكرات متنازعةٍ في الجو النفسي الذي ولَّدته الهزيمة والبؤس، وصارت تلك البلاد من أدناها إلى أقصاها معسكراً للأسر... لكن قلوبهم كانت -في الوقت ذاته- تنبض بالهمة، ورؤاهم تفوح بحب ألمانيا الكبرى، وكانوا على ثقة تامة بأن قوتهم العضلية وفكرَهم كافيان لتحقيق ذلك. وكانوا على يقين بأن ألمانيا إذا كانت لابد وأن تنجو من ميدان الموت هذا، فإنما تنجو بطاقتها الحيوية وثقافتها المستقرة الراسخة، وهذا ما حصل فعلاً.

الجذور والنهوض
نعم، إن الشعب الألماني ولّى وجهه شطر جذوره المعنوية، واستفاد بعقلانية من الظروف الاجتماعية، والنفسية-الاجتماعية، والاجتماعية-الثقافية، وأصبح من الذين قرؤوا وفسروا أوضاع النصف الأخير من القرن الماضي في سبيل مصالحه، بشكل لم يسبق له مثيل.
نستنبط من هذا الأنموذج، أن اختزال أسباب المعضلات السياسية والاقتصادية والإدارية لأي بلد، وحصرَها في السياسة والاقتصاد والإدارة وإن صح من وجه معين، لكنه معلول بنواقصَ من أوجه كثيرة؛ فما من شك في فائدة الجهد والهمة والعلم وابتكار البرامج البديلة في كل ساحة وميدان، لكن هنا أمر آخر ينبغي صرف الهمة إليه بالضرورة، وهو -على ما أعتقد- ثقافةُ الأمة وجذورها المعنوية؛ إذ ينبغي على الأمة ألا تغض البصر عن جذورها المعنوية في جميع فعالياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وألا تنسى البتة الرسالةَ الهادفة المميِّزة لثقافتها الذاتية، ما دامت قد قررت أن تتقاضى مع عصرها.
صحيح أنه كلما دار الحديث حول التغير والتطور في بلادنا حصل التركيز على ثقافتنا الذاتية، ولكننا لا يمكننا الحديث عن مبادرة تتصف بالديمومة والمنهجية في هذا المجال؛ فالمدارس (التقليدية) والزوايا والتكايا التي كانت تربي مهندسِي فكرِنا وعمالَ روحنا في الماضي، لم تنتج مشاريعَ تأخذ بأيدينا إلى المستقبل. وإذ لم تنجح في ذلك، انسحقت تحت ركام أنقاضها. وإذ نقول هذا القول، نواجه مبدأً يكاد يسكتنا ويضرب على أفواهنا، هو: "لا تذكروا ماضيكم بمساوئه"، ويمنعُنا من أن نتفوه بشيء غيرِ هذا. ونحن بدورنا نقول: "إن حوادث التاريخ لا تعيد نفسها مهما تشابهت فيما بينها. فاللازم أن نعتبر بعبرها، لا أن نتلقى دروساً منها". ومن ثم نوجه الأسئلة عن الماضي إلى أنفسنا في الحاضر، فنقول: إن الذين سبقونا قد انقرضوا لمّا انحرفوا عن الغاية والهدف من وجودهم. ونحن اليوم في الموقف عينه. فالأصوب إذن أن نقاضي أخطاءنا بدلاً عن الانشغال بأخطائهم، وإن سلّمنا بوقوعها.

المنبع والمنهل
لنسلِّم بأنهم لم يأبهوا بالمنابع التي ينهلون منها، فصاروا وسيلة لجدب أمتنا. لكن قولوا لي -أرجوكم- ما الذي صنعناه نحن؟ هل نستطيع أن ندعي بأننا -كشعوب- وفَّيْنَا بمسؤولياتنا كلها؟ أو هل نزعم بأننا قمنا بإدارة مؤسسات الدولة كما يتطلبه العصر؟ رجاءً أفيدوني! مَن يستطيع أن يقول: إن المدارس في كل هذه المدة المديدة قد أثمرت المرتجى؟ صحيح أن كثيراً من الشباب حصّلوا تعليماً عالياً في باريس ولندن وميونيخ ونيويورك... لكن هل صاروا أعضاء نافعين لمجتمعهم؟ بل على العكس؛ فدع عنك كونهم أعضاء نافعين، رجع أكثرهم إلى بلادهم بأحلام (فانتازيات) مختلفة، وجلبوا للوطن معضلات عويصة بتأثيرِ تياراتٍ مثل الأنكلوسكسونية والنازية والسلافية، أو الرأسمالية والليبرالية والشيوعية؟ فزادوا الاضطراب اضطراباً، وزادوا القطيعة مع الذات شدة... ولا زلنا نرجو ونأمل ألا يدوم الحال على هذا المنوال.
والحقيقة أن ثمة أسباباً كثيرة لرجائنا وتفاؤلنا. فقبل كل شيء، قد أصبحنا نعي -إبان هذه المدة- الذي أصابنا من الغدر والظلم. ويمكن لألبوم الصور المريرة هذه أن تلهمنا صوراً مختلفة منذ الآن.. إنَّ تَعَلُّقَنا بمد جسور الصداقة مع فرنسا وألمانيا وإنكلترا وأمريكا، وخيبةَ آمالنا وقلةَ حيلتنا، والتجاربَ التي اكتسبناها في خضم محاربة المئات من السلبيات، قد تحولت إلى توتر روحي جاد يمكن أن يولد انفتاحاً على غرار "قوة الطرد المركزي". لكن استثمار هذا التوتر استثماراً جيداً واجب يقع على عاتقنا نحن. المدرسة أعطت ثمارها بمقدار أهميتها. والآن جاء أوان ترويض ما ألهمته المدارس من العلوم والتجارب بعجنها في معجنة أرواحنا نحن، وتغذيتها بأسس ثقافتنا نحن.
ذلك بأننا إن كنا عازمين على المضي قدماً نحو المستقبل، فلا مناص من أن نكون ذاتيين في المنطق والمحاكمة العقلية والأسلوب، باستثمار تراكمنا العلمي والتجريبي في مواقعه المناسِبة. فقد تُكسب المدرسةُ الإنسان تراكماتٍ وتجاربَ علميةً واجتماعية واقتصادية وسياسية؛ لكنَّ تقبُّلها من قِبل فئات المجتمع كافة ودوامَها، مرتبط بامتزاجها وتكاملها مع الجذور المعنوية للمجتمع وبنيانه الفكري... ولهذا فإن معضلة أمثالنا من الدول المتخلفة إنما هي عجزها عن اكتشاف حقيقة المدرسة بروحها ومعناها، بل -وبالأحرى- إنها معضلة ثقافية في أصلها، ومن الضروري واللازم أن تُحل هذه المشكلة في أرضيتها هي.
نعم، هناك أمور كثيرة نحصل عليها وتتشربها أرواحنا ونحن على مقاعد المدرسة، ولكن ثمة أمراً أشدَّ وَقْعاً وتأثيراً، ألا وهو الثقافة.. ومما لا مرية فيه أن الثقافة من الأمور التي تنتجها البيئة والمحيط.

الشمولية الثقافية
يمكن القول بأن البيئة ظلَّت مصدر القيم الثقافية في كل الحضارات سابقها وحاضرها. ويمكن أن نسميها "البيئة العامة" التي تتكون من الأحاسيس والأفكار والسلوكيات والأصوات والألوان والأساليب والأداء والخصوصيات الأخرى الحاوية على أعماق متنوعة من طبيعة الأمة. ولا يتعسر علينا التدليل على صحة هذا المقترب بأدلة كثيرة، لكننا نريد الآن أن نركز على أقوى حركية، وهي "شمولية" الثقافة التي تتنفسها جميع شرائح المجتمع كالهواء، وترتشفها كالماء، وتشمها كالزهور، وتصغي إليها كالطبيعة. فالثقافة إنما تتسع وتحوز على قدرة التأثير الدائم بهذه "الشمولية". وهذا ما ينبغي أن يتبادر إلى الذهن حينما تُذكر "الثقافة". نعم، إنها مؤثرة في راعٍ بعين المقياس الذي تؤثر به على مثقف أو علاّمة. فما يعنيه التقاء الماء والتراب والهواء والشمس في نقطة واحدة، بالنسبة لوجود أي كائن حي ومواصلتِه لحياته.. هو الذي تعنيه الثقافة بالنسبة لحاضر أي مجتمع ومستقبله. نعم، إنها من أهم المقومات التي تُوصِل الفردَ والمجتمع إلى درجة النضج من الجهة النفسية والأخلاقية.
إن المدرسة بقدر ما تكون متوجهة نحو الهدف ومتسمة بالعمق تصبح ميناء أو مطاراً أو منطلقاً للأمة، بشرط أن تُصْهَر مكتسباتها في بوتقة الثقافة الذاتية. وإلا فمن البدهي أن المدرسة لن تستطيع حل المشاكل الفردية والاجتماعية. إن المدرسة، باعتبارها دائرةَ تخطيطٍ ومركزَ مشروعٍ من الممكن أن تعني شيئاً بقدر ما يستمع الوجدانُ الاجتماعي إلى صوتِ شيء من برامجها المنسجمة مع الأخلاق العامة وثقافة الأمة... ولكن من العسير جدًّا -بل من المحال- أن نستدل على أنموذج واحد أنجزته المدرسة بوحدها. لذلك، علينا أن نتقبل المدرسة بواقعها وحقيقتها، ولا نأملَ منها إلا ما يمكن أن تمنحنا إياه. ومع حفظِ ورعايةِ حق العلم، إنَّ تعليق الآمال كلها بالمدرسة منطلَقٌ مبالَغٌ فيه، وتفكيرٌ سطحي وبسيط يَجعل إيضاحَ كثير من البديهيات مستعصياً، كتحميل الأرض على قرن الثور!
إن المجتمع السليم الواعدَ بمستقبل مشرق، يتكون من أفراد سليمين هم منه كالجزء من الكل، ولكن -من جانب آخر- وجودُ أفراد منضبطين وممتازين وتطورُهم، لا يتم إلا في مجتمع سليم كهذا، وإن كان هذا المقترب يؤدي بنا إلى نوع من "الدَّوْر المحال". فإن بيئة عامرة بتراثنا الثري ستؤثر في كل وقت؛ في العالِم والجاهل، والشاب والكهل، والبدوي والحضري، والمفكر والسارب في هواه.. وما إن يفتح هؤلاء أعينهم ويرتبطون بما حولهم حتى يوحي المحيطُ والجو العام إليهم دائماً بأمورٍ ويحاسبهم ويحاورهم... وبوارداتها وغناها، أو بفقرها، أو بوسطها النفسي والمادي، قد تغذيهم وتربيهم وتعمرهم، أو تقوض عواطفهم وأفكارهم وتحيل كل شيء إلى خراب.
وقد لا يتسنى للإنسان أن يحس على وجه تام بمدى التأثير الذي يحدثه جو "روح الأمة" على أي مجتمع وعلى أفراده من كل النواحي، ولكن ينبغي أن نستحضر دائماً أن كثيراً من التفرعات والتفاصيل الجزئية في العالم النفسي أو المادي، والتي بدت هينة ومستصغرة، قد فَتحت الأبواب لاكتشافاتٍ ومبادرات واختراعات تتعدى الخيال في أهميتها. ففي بعض المواقف، فَارَ وجدانٌ بملاحظةِ ترقُّبِ قطة لجُحرِ فأر بلا توان.. وانكشفت آفاق واسعة أمام عقولٍ فَكَّرت في التناغم البديع لمجتمع النمل والنحل، الذي لا يضاهِي كمالَه أعظمُ الجمهوريات كمالاً.. وكم من أمر مستصغر في عالم المادة أذكى نار أذهان وقادة.

الصغير والكبير
فكم من أمر يبدو للآخرين هيناً ولكنه فتح الأبوابَ لاستلهام عظائم؛ مثل طاس الحمّام لـ"أرخميدس"، وتفاحةِ "نيوتن"، والتناغم العام لـ"جِين"، والقِدْرِ المتدحرج في سطح الدار لـ"نصير الدين الطوسي"، وأنغامِ الموسيقى التي تهدِّئ المجانين لـ"ابن الهيثم"، وبزوغِ شمسِ صباحٍ آسرٍ لـ"ميخائيل إنجيليو" وماءِ جَرّةٍ لـ"دنيس بابن"..!
ومن الحقيقة أن لبنيان المجتمع من حيث صحته أو عطبه، وجوانبه الإيجابية أو السلبية، تأثيراً بَيّناً على الأفراد، وإن لم يتمكن العقل -دائماً- بالنظر الظاهري السطحي من إدراكه والشعور به. فالأفراد هم أبناء المجتمع الذي يوجَدون فيه، وفي بيئة المجتمع يحسون بكل شيء ويعيشونه ويتقبلونه. والواجب على أهل العلم والمعرفة عموماً، وعلى المسؤولين خاصة، أن ينقُّوا ويغربلوا الأفكار الغريبة والضارة والمنكَرة التي تؤثر على المجتمع سلباً، وتُضادُّ العقل والمشاهدة والتجربة والفكر الديني. إن أعظم الأبطال الذين قاموا بهذه الغربلة في التاريخ، هم الأنبياء، ثم مِن بعدهم الأصفياءُ المتحفِّزون بالإلهام، ورجالُ الفكر الذين تكاملت قلوبهم وعقولهم، ورجال العلم الموقِّرون لعالم الغيب مع عالم الشهادة، وللحس الوجداني مع التفكير العقلاني، وللوحي السماوي مع التجربة.
فحينما فتح سيدنا نوح عليه السلام النقاش حول وَدٍّ وسُواع ويغوثَ ويعوقَ ونسر؛ وثار إبراهيم عليه السلام تجاه الأصنام والفكر الوثني المحيط ببيئته؛ ونافح موسى عليه السلام الظلم والاستبداد والطغيان واستغلال الإنسان؛ وأذل المسيح عليه السلام الماديةَ المؤلَّهة؛ وحارب مفخرةُ الإنسانية صلى الله عليه وسلم العللَ الاجتماعية التي ما فتئت تمسك بتلابيب البشر كالجهل والفقر والتنازع والتفرق، إلى جانب جميع الأخطاء الأخرى التي جاهد الأنبياء السابقون ضدها... ومن بعده إلى يومنا، فَسَّر جميعُ المجددين والمرشدين الكمّل الحياةَ تفسيراً جديداً في إطار أوامر الله تعالى وإرادته ورضائه... هؤلاء كلهم سعوا جاهدين لتحقيق تلك الغربلة والتنقية.
فمن أجل إنشاء الثقافة وإدامتها، ينبغي تحفيز رد الفعل المشترك ضد الأفكار الماسخة والغريبة المنكرة، إلى جانب استشعارها والإحساس بها بكامل عناصرها من قبل كل فئات المجتمع... حتى نبقى وندوم بذاتنا وبخصالنا الذاتية من جهة، وحتى نسير إلى المستقبل من غير السقوط في دوامة الباطل والخرافة والتغّرب من جهة أخرى.

النقول الثقافية
إن التأثير المتبادل ما بين الثقافات حقيقة لا مراء فيها، لكن نقل الثقافة من مكان إلى آخر مع المحافظة على أصالتها غير ممكن. فالثقافة ليست لباساً يُنـزع عن بدن ويُلقى على بدن آخر. وكما تحافِظ الكائنات الحية على أصالتها باعتبار خصوصياتها البيولوجية، كذلك الثقافة إنما تحافظ على نفسها وتصير بُعداً حيويًّا للمجتمع الذي وُلدت وترعرعت فيه؛ إذا صارت كالهواء الذي يتنفسُّونه، والماء الذي يرتشفونه، حتى تصير عمقاً حيوياً لذلك المجتمع، فتُحمَى وتُصانَ.
إن الثقافة تموت إذا ما نقلت من مكان إلى آخر ما لم تتجهز البيئة الجديدة بما يصلح لوجودها ونمائها، أو -في الأقل- تفقد خصوصياتها الذاتية، فتتهجن ويُعدم معناها وتنقلب إلى حقل ثقافي آخر. وكما يَعجز الآخرون عن التمثيل التام لصوتنا ونغمنا وخطنا ورسمنا ونمطنا وأسلوبنا بأصالته الذاتية، كذلك يتعذر علينا التمثل العيني لخصوصيات ثقافة الآخرين. ومع ثراء الألوان في ثقافتنا، فإن الآخرين لن يستفيدوا منها معاني كالتي نفهمها نحن، ولن تهيج فيهم المشاعر كما تهيج فينا نحن، ولئن أحدثتْ فيهم تأثيراً معيّناً فلن تحدثه فيهم بطبيعتها وفطريتها الذاتية. والعكس صحيح إذا أخذنا ثقافة الأمم الأخرى قبل استيعابها وهضمها. ذلك لأن الثقافة ليست بضاعة تشترى من الباعة المتجولين فتؤخذُ إلى البيت كلوحة أو صورة أو أسطوانة أو شريط؛ إنها من حيث كونها ملتقى كل العناصر الزمانية والمكانية للمحيط الذي نشأت وترعرعت فيه "كلٌّ" لا يتجزأ وخاصةٌ ببيئتها التي تربت هي فيها، ولابد من تناولها مع كل العناصر التي تقف وراءها، حتى يمكنَ وضع كل الوحدات التي تكوّنها وتغذيها في إطار يربط فيما بينها... وأول ما يخطر بالبال أثناء نظرتنا هذه، أنها صيغة حياة معينة ذات نمط خاص لأمة معينة، ومنظومةُ سلوكيات خاصة فريدة من نوعها لأفراد تلك الأمة. ولا شبهة في أن أول ما يلفت النظر في هذا التحليل، هو التأثير والتأثر بين فلسفة الحياة لأي مجتمع ونمط سلوكيته. وكلما توطدت فلسفة الحياة وتبناها كل أفراد المجتمع، تكون سلوكياتهم وأنماط حياتهم باقية وواعدة للمستقبل. وكما في الأحياء البيولوجية؛ "الكلُّ" -أي الجسم بمجموعه- يعيِّن حركاتِ الخلايا في خط معين، وتقوم الخلايا المتوجهة باتجاه معيّن بوظيفةِ عواملَ تنقل الهيأةُ العمومية "للكل" إلى المستقبل.
منظومة الحركات هذه، التي تجري وكأنها في إطار المسؤوليات المتبادلة، توجِد -من جهةٍ- تنظيماً من التدرج الوظيفي عندما يتعلق الموضوع بالموجودات الإرادية، ومن جهة أخرى، تفجِّر سيلاً من التمحيص والاختبار من قِبل العقل السليم، والمشاهدة الصحيحة، والتشخيص بالحس الوجداني.
إن هذه هي الطريقة المثلى لتوحُّد المجتمع وتَطابُقه مع فلسفة حياته وأسلوبه الذاتي وطبيعته التاريخية، حتى يصبح مجتمعاً مستقرًّا بماضيه وحاضره، ومنفتحاً على العقل والفكر والوحي.. وإلا فإن الأمور الفلكلورية التي لم يكتمل سياق تطورها، والتي تم نسجها من العادات والتقاليد والهويات وما يُشبِع الغرائزَ والأذواق.. حتى المؤلّهة منها.. ما هي إلا نماذج خادعة من العدم والعوز الثقافي.
نعم، ثَمّ أخذ وعطاء، وتأثير وتأثر دائم بين فئات المجتمع المتنوعة في الأمم والحضارات الوطيدة التي سكن تَموُّجُها الاجتماعي. وفي الأوساط التي يوجد فيها جو ديمقراطي خاصة، يوجد تأثير وتأثر، وتفاعل مهم ودائم بين قمة هرم المجتمع وعناصر قاعدته. فالمعلم في المدرسة، والواعظُ على الكرسي، والكاتبُ في الجريدة والمجلةِ، والمحللُ على شاشة التلفزيون، والأديبُ بشعره ونثره، والرسامُ الناقل للموجودات بالمعنى الواسع ولمحيطه بالمعنى الضيق إلى لوحات العرض... هؤلاء جميعاً يتحركون دائماً في سياق التأثير والتأثر مع جماهيرهم. فالذين في الأعلى -بصفتهم معطِين ومنتجين- يرسلون الإشارات إلى من حولهم باستمرار، يحفّزون بها المعنيين بالخطاب، ويجهزونهم للتحرك، ويزيدون من عدد المعطِين والمنتجين بتوجيه قابلياتهم واستعداداتهم نحو آفاق "تصوراتهم" المهنية والفنية... فيحوِّلون المستقبِلين الذين قلَّت أعدادهم بمرور الأيام كل واحد منهم إلى أناس ذوي آفاق واسعة.

المعطون والمتلقون
وإذ ينتج الصانعون للأفكار ويقدمونها، يتعاطى المتلقون مع كل ما يقدَّم لهم من رأس الهرم بنظرة ماحصة متفحصة ونقدية، ويعترضون على أخطاء أولئك أو ما يعتقدون أنه خطأ حسب نظرهم.. ويضغطون على من في الأعلى فيُلجئونهم إلى حلول بديلة. فبذلك يُؤكَّد على كل ما يخص هويتهم، وتتم مراجعة أي فساد في الأساليب بإمرارها من المرشِّحات، وتُنَقَّى السلوكياتُ الخاطئة بالتقاضي والمحاسبة. ولا يمكن تبادلٌ وتفاعل من هذا النوع بين طبقات المجتمع إلا بفضل مشاركتهم جيمعاً وتقاسُمهم لموروث ثقافي مشترك.
فإذا تكاتفت أمة بفئاتها المختلفة وأصبحت كـ"البنيان المرصوص" كما وصَفَها مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم، وسَخَّرت قوتَها وطاقتها في سبيل تكوين البناء الداخلي وتناغمه، فإن الحَزن سيصير سهلاً، وسيكون من الطبيعي أن تأخذ تلك الأمة طريقها لتكون عنصراً فاعلاً في التوازن الدولي. لكنَّ تواجُد رابطة اجتماعية مؤثرة على هذا المستوى من القوة، منوطةٌ بثقافة ذاتية، قد استقرت أركانها وعايَشَتْها شرائحُ المجتمع كافة حتى غدت جزءاً من طبعها وجِبِلّتها... ثقافةٍ مبنية على قيم أخلاقية تتغذى وتتنفس بها، مستندةٍ بقوة الدين القاهرةِ ومتخطيةٍ بالاستناد إليها كلَّ أشكال "التغريب"، ساندةٍ لتصوارتنا الفنية بحيث تكون ملجأً ومأوى آمناً لها في كل مكان. وإلا فأي ثقافة لم يتوضح إطارها ومعالمها بشكل جيد، ولم تحظ بالقبول لدى كل المجتمع، فلا مناص من أنها في حالة كهذه ستصبح دائماً مدعاةً للتنازع والتناحر بين معماريي الثقافة وتلاميذهم، ناهيك عن غناء تلك الثقافة وثرائها واحتضانها! وقد يَفتح أحياناً تشاجرٌ كهذا -وبخاصة إذا كان في موضوع الفن والأخلاق- جروحاً يستعصي دواؤها.. وقد يورِث الإفراط والتدقيقُ الشديد في مسألة أخلاقية، هيمنةً وتسلطاً على المشاعر والأفكار، حتى يُوقِع الفردَ والمجتمع في المِحْلِ والفقر أحياناً، وأحياناً يفتح الباب لتضييع القواعد والأخلاق في البديعيات، فيتلوث كل شيء بالفوضوية والمستهجنات.
ونحن إذ نتناول قضية الثقافة فبدلاً من تهيئة الأجواء والمناخ، لإشباع الغرائز باللذائذ واللهويات لمن لم تنضبط قدراتهم الروحية بعدُ.. علينا أن نزيد من نشاطاتِ تُكسبهم والمناعة لمواجهة المعضلات التي قد تواجههم في الحاضر والمستقبل، ونضع في الأساس توجيههم نحو التفكير الشمولي الذي ينمي لديهم موهبة اختيار الخير والجميل والصحيح.. وبذلك تتهيأ الأجواء لإمكانية ترجيح الأفراد للخيار الأفضل والأنفعِ بفضل التوجيه الإجباري-الاختياري للجو العام، والانسياق وراء التيار الجماهيري، إلى جانب مساندة العلوم والمعارف...

الأخلاقية والعلمية
وهكذا، بفضل التمسك بالقواعد نوعاً ما، وبفضل التوجيه الاختياري أو الجبري للبنيان الاجتماعي، سيصبح مركزُ التقاء "الأخلاقية" و"العلمية" و"الذوق الفني" مغذياً لأسلوب حياتنا، وماكنةً ساحبةً لتحركاتنا وانطلاقاتنا، فتجعلنا ننهل على التوالي لذائذَ نشوات الظفر في ميدان الخير والجمال والصحيح... ومن المهم هنا أيضاً، كيفية التفسير والتعقل "لتصور" الأخلاق والإيمان والفن ومفهوم الجمال.
إن حصر الأخلاق في تطبيق بعض قواعد صارمة.. وفهمَ الإيمان على أنه تصديق أعمى لا يحسب حساباً للعقل والمشاهدة والحس والوجدان.. وتفسيرَ الجمال بأنه: التقاط لمحة من منظر الأشياء وصبُّها في لوحات عارية وتماثيل جامدة.. وحبسَ الفن في أطر غليظة كالشعر والموسيقى والمسرح.. كل ذلك لا يعني إلا حبس الجمال وثقافةِ الجمال في مساحة ضيقة وجعْلَها ضحلة وترفاً لبعضهم.
إن انبعاثنا مجدداً بثقافتنا الذاتية، يتطلب رجال قلوب متحفزين بالإيمان.. ومهندسي فكر سائحين في الغد بأفقهم الفكري.. وعباقرة يحتضنون الوجود والأحداث بتصوراتهم الفنية، ويتعرفون بتحسساتهم وتفحصاتهم الدقيقة على آفاق جديدة أبعد من الآفاق التي نحن فيها.
إن انفتاح العديد من عشاق الجمال نحو آفاق جمالية جديدة وتفسيراتهم الجديدة لها.. والهممَ العالية والقديرة التي تستحق التقدير للفنانين المهرة في الفنون وتلاميذِهم المجدين.. وألحان ذوي الأصوات الذين يبذلون قصارى جهودهم لترجع موسيقانا إلى روحها الأصلية، ومخزونَهم الثري.. والجهودَ التي يبذلها الشعراء الفطاحل والناثرون عشاق اللسان في سبيل تخطي مرحلة التقليد حيث بدؤوا يتشمون الذوق الأدبي.. كل ذلك تبدو لنا وكأنها أمارات بزوغ فجر صادق في طريق عودتنا إلى الذات. فإن يكن شعاعات فجرٍ كاذبٍ، فلا ريب أن ما يعقبه الفجرُ الصادق!
فإذا سرنا على هذا الخط، فلسوف تكون ثقافتنا الرصينة، وجذورنا المعنوية والروحية، وشخصيتنا ومحتوانا، جزءاً لا يستغنى عنه من الثقافة العالمية حينما يأتي الوقت المناسب. أما إذا بقينا على تخبطنا الذي عرفناه أمس واليوم في التزود والتغذي من مصادر ثقافة الآخرين، وانغرزنا في التقليد كلما فكرنا في الإنشاء، فلن تنجو الأمة من ذلة التبعية، ولن نتحرر من الوصاية في الشعر والموسيقى والرسم وفروع الفنون الأخرى... ولن نتمكن من إدامة وجودنا بذاتيتنا الخاصة، ولن نفلح في الوصول إلى درجة الإنتاج والعطاء.
نعم، إن لم نبدأ من فورنا بشحن أجيالنا الناشئة بشعائر ثقافتنا الذاتية، ولم نبادر بإحياء ما شحنّاه في النفوس، فسوف نَحكم على الآتين من بعدنا بأن يكابدوا حظنا العاثر في الحياة. فينبغي أن يُستنفَر كل من له قول في الموضوع -ومهندسو عالمنا الفكري خاصة- بروحية النفير العام إزاء خطب داهِمٍ، ويحولوا البلاد من أدناها إلى أقصاها إلى مشاغل لثقافتنا الذاتية، ومدارسَ لفلسفة حياتنا الذاتية، ومختبراتِ تركيب وتحليل لمنطقنا ومحاكمتنا العقلية الذاتيتين؛ فإن بقاءنا بذاتيتنا يمر عبر انبعاثنا بذاتيتنا.
ــــــ
(*) الترجمة عن التركية: عوني عمر لطفي أوغلو
.

الثلاثاء، 21 ديسمبر 2010


كيف نبني شخصيتنا الفاعلة

سليم أيدين

إن من أهم الحاجات الأساسية في حياة الإنسان أن توضع بعض الحدود لتصرفاته، وأن تُحترم هذه الحدود. وقد يتم التصريح عن هذه الحدود التي يجب احترامها في القوانين. إن هذه الأنظمة والقوانين تبيّن لنا الطرق التي نستطيع من خلالها منع نمو الأعشاب الضارة في حديقتنا. عندما يراعي الفرد هذه الحدود المكتوبة أو غير المكتوبة، المرئية أو غير المرئية، يتحول إلى إنسان ذي شخصية عالية مستقيمة. أما إذا قام هذا الإنسان بمخالفة هذه الأنظمة التي تحافظ على الحياة الاجتماعية ورفض تطبيقها، فإنه سوف يدمر نفسه بنفسه عاجلاً كان أم آجلاً.
إن أكبر عقبة أمام التحسين والإصلاح، هي ألا يتحمل الإنسان أية مسؤولية، وأن يعيب الآخرين دائماً دون الالتفات إلى عيوب نفسه التي لا تعد ولا تحصى. وإذا نسي الناس صدق ضميرهم، سخر منهم ضميرهم ودفعهم إلى إيجاد الحجج والمبررات لكل أقوالهم وأفعالهم، حيث هناك رغبات جُبِلَت عليها فطرة الإنسان تشكل الأساس لخرقه القواعد والقيم الأخلاقية. نعم، إن الطموح إلى النجاح والفوز والصدارة والارتقاء، والصعود إلى القمة، والشهرة والتباهي على الآخرين... تقود الإنسان إلى خرق القواعد والأنظمة. ولكن إذا استطاع هذا الإنسان تربية شخصيته وأعدها للتعامل الصحيح مع حوادث الحياة، عندها يمكنه كبح طموحاته هذه وتوجيهها ضمن الأطر المشروعة، ووفق المبادئ والقيم الأخلاقية السامية.
الصراع الذي يعيشه الإنسان في داخله تجاه تربية شخصيته، تجعله يغدو ويروح بين الالتزام والمعارضة للقيم الأخلاقية والقوانين، وبين رغبة امتلاك كل شيء ومقاسمته مع الآخرين، وبين الشعور بالخضوع للأنظمة الراهنة أو عصيانها. لكن يجب ألا ننسى أنه لا أحد يستطيع أن يُرغم الإنسان على القيام بشيء دون رغبته وإرادته، فإذا تم ذلك فهذا يعني أن ذلك الإنسان يعيش ضعفاً في الإرادة والشخصية.
هناك مقولتان تعدان موضوعاً مشتركاً بين اليونانيين القدماء والبابليين والسومريين، الأولى: "اعرف نفسك" والثانية: "كن معتدلاً في كل شيء". تشير هاتان المقولتان إلى مدى أهمية تربية الشخصية في جميع الثقافات. فإنهما لافتتان للنظر إلى حدٍ بعيد، خاصة من ناحية التأكيد على أهمية الوسطية والتوازن. هناك نقطة أخرى مشتركة بين الثقافات في تربية الشخصية وهي أن يعرف الإنسان عيوبه، وأن يتأمل ملياً في كيانه وذاته حتى يستطيع رؤية عالمه الداخلي وصفاء روحه وجوهره. إن معرفة الذات خصلة ضرورية ليس فقط من أجل الحصول على شخصية قوية، بل من أجل معرفة خالق هذه الذات ومربيها. وكم أحسن القائل عندما قال: "اعرف نفسك، وليكن مرادك معرفة الله، ومَن عرف نفسه، فقد عرف الله".

تربية الشخصية
إن الطريق التي تُكسِب الإنسان شيمته وشخصيته، ليس فقط بالتركيز على الأخطاء والمساوئ والابتعاد عنها، إنما بالتركيز على الصواب والخير والسعي من أجلهما. إذن، لا يكون الإنسان ذا شخصية مثالية وأخلاق عالية برفضه للمساوئ فقط. فمثلاً، إذا أردنا أن نقيم حديقة جميلة فلا يكفي أن نزيل الأعشاب البرية عن تربتها، إنما يجب العمل على غرس الأزهار الجميلة ورعايتها أيضاً. فإزالة الأعشاب البرية ما هو إلا عمل يساعد على نمو الأزهار فقط، أما العناية بالأزهار ورعايتها فهو عمل مختلف تماماً. السعي وراء الخير والفضيلة وغرسها في حياتنا حتى لا يبقى مكان للشر، أهم بكثير من الحيلولة دون الإضرار ورفض الشر قولاً. يوجد داخل كل إنسان حديقة تعكس شخصيته وعالمه الجواني، والأشياء التي تربّى في هذه الحديقة تكون مرآة لسلوك هذا الإنسان وتصرفاته. كما أننا إذا لم نغرس في حديقتنا الطبائعَ والعادات الحسنة وفق مزاجنا وروابطنا الخلُقية، فيستحيل أن نكون أناساً صالحين. وإن كانت الروابط الخلُقية أو سماتنا المزاجية تشبه أنواع التربة المختلفة فإن سماتنا الشخصية تشبه الأزهار التي تنمو في تلك التربة. إذا فكر الناس ملياً وبذلوا قصارى جهدهم وطاقاتهم في زراعة الأزهار ورعايتها، عندها سيزداد عدد الناس الذين يتحلون بالشخصية القوية المثالية.
ولابد في هذا الصدد -وبعد هذه الشروح النظرية القصيرة- أن ننتقل إلى هذه الأيام التي نعيش فيها، ونقول: إن نجاح الديمقراطية اليوم يرتبط بمدى امتلاك أفراد المجتمعات الشخصية الذاتية، وإن الديمقراطية التي تنسى أن الإنسان كائن أخلاقي والتي لا تبالي بتطوير الشخصية لدى الفرد، لا يمكن أبداً أن تنجح وتصل إلى بر الأمان، لأن الديمقراطية هي نظام يتبناه الفضلاء والعقلاء الذين يملكون القدرة على حمايته والحفاظ عليه.
الإنسان الانتهازي أو الذي لا يفكر إلا بنفسه، يمكن أن يستغل قلب الآخر وروحه وبدنه دون أن يخالف القوانين والأنظمة، أي يمكن أن يمتثل الفرد للنظام، ولكن يمكن أيضاً أن يكون سيء الخلُق. فمن أهم شروط الكمال الأخلاقي أن يكون المرء ذا شخصية وضمير يستطيع من خلالهما رسم الحدود في المكان الذي يخلو من حدود مرسومة. ومن ثم فإن كل ما هو قانوني ليس بالضرورة أن يكون أخلاقياً، لذلك نرى هناك فرقاً بين ما هو موافق للقانون وبين ما هو موافق للحق، ولا يمكن أن يسدّ هذه الفجوة إلا أصحاب الشخصيات العالية، فحيثما ينتهي القانون أو يبدي خللاً، يحلّ الإيمان مكانه وتتسارع القيم الأخلاقية التي تتغذى من الضمير بسد هذا الخلل.

الشخصية في تحقيق السلام
فلنتوج هذا بمثال من التاريخ، ففي بدايات عهد الدولة العثمانية، شغل "دورسون فقيه" قاضي مدينة بورصة، وظيفة تناسب مزاجه وطبيعته. وكان رئيس المخابرات يقدم للقاضي "دورسون فقيه" المعلومات حول الفتنة والفساد والأقاويل التي اندلعت بين الأهالي في تلك الفترة، وقد كان من ضمن المعلومات التي قدمها، المخططات التي وضعت لقتل القاضي "دورسون فقيه". ولكن دعونا نرى مدى أهمية تربية الشخصية في تحقيق السلام في الحياة الاجتماعية، وذلك من خلال تقديم مقطع من الحوار الذي دار بين عضو المخابرات وبين القاضي "دورسون فقيه":
عضو المخابرات: إن كل ما قلتُه، دليل على ظهور آلاف الأسهم المشدودة لرمي "دورسون فقيه" في قلبه.
دورسون فقيه: ما قلتَه صحيح، ولكنه صحيح من جانب العقل والمنطق. ولكنك لم تر بأم عينيك ما تتحدث عنه أليس كذلك؟ لم تسمع أياً منه بأذنيك. هل رأيتَ بعينيك، وهل سمعتَ بأذنك؟ هل رأيتَ زيداً يقول هذا الكلام أو سمعته حتى توجه إليه التهم؟
عضو المخابرات: كلا! ما رأيتُ وما سمعتُ. لكن أظن وأعتقد وأعرف أنه كذلك.
دورسون فقيه: وهل يُحكَم على شيء بالاعتقاد والظن؟ فليس هذا بدليل.
عضو المخابرات: علمتُ الخبر من رجالي وأنا أثق بهم.
دورسون فقيه: يجب الاستماع إلى رجالك ورؤية أدلتهم.
عضو المخابرات: أنا لا يهمني الحكم، إنما دلني على ما ينبغي عليّ فعله.
دورسون فقيه: إن كان الطريق الذي سأدلك عليه يسوق بريئاً إلى الموت، فكيف أكفّر عن ذنبي بعد ذلك؟
عضو المخابرات: لو كان مكاني شخص آخر لفقد عقله. ولكنها "الدولة"، "ستفقد الدولة سيطرتها وتوازنها" يجب ردع مَن يسعون إلى هدم الدولة يجب معاقبتهم...
دورسون فقيه: إذا كانت الدولة دولة، فالإنسان أيضاً إنسان. لذلك يجب أن تتضح تهمة هذا الإنسان وتثبت حتى يحكَم عليه. وماذا لو قال الشخص الذي تقول عنه إنه مذنب "أنا أقوم بهذا العمل من أجل الدولة"؟
عضو المخابرات: ولكن يا دورسون فقيه! المكان الذي توجه إليه الأسهم هو أنت. أوَما تخاف الموت؟
دورسون فقيه: أنا لستُ الدولة. روح دورسون فقيه، ليست الدولة. إذا متّ ستحاسِب الدولةُ المذنبَ. لكن لا أستطيع أن أضع الدولة في موضع التهمة لأبقى حياً. فليعف الله عن تقصيرنا جميعاً...
فهذا الحوار يبين لنا أن شخصية الفرد تلعب دوراً مهماً في توجيه ذاته، حتى وإن كانت القوانين والقواعد موجودة تحت إمرته، فإن ضميره وشعوره بالمسؤولية ثم مخافته من يوم الحساب تمنعه من اقتراف أي خطأ أو جريمة. إنه يفضِّل أن تتعرض نفسه للظلم والموت، ويتجنب ظلم الآخر. لأن الإنسان يحصد ما يزرعه في حقل عالمه الجواني.
نحن عندما نسعى إلى تربية أناس صالحين ذوي شخصيات متميزة، مستقيمين في تصرفاتهم وأقوالهم، عندئذ نستطيع أن نعيد مكانتنا التي فقدناها منذ سنين، ونُوصل أنفاسنا وأنفاس أجدادنا الأجلاء المليئة بالحب والرحمة إلى كل بقعة على تربة هذه الأرض. كما أن هذا يرتبط بالاهتمام الخاص في تربية الشخصية في مدارسنا، والقدرة على نقل القيم النبيلة إلى أطفالنا في الحاضر والمستقبل.
ــــــــ
نقلاُ عن مجلة حراء التركية
(*) الترجمة عن التركية: محمد صواش
.

تكنولوجيا